أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 46
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وهذا ينطبق على ما نحن فيه ؛ فإنّ إقبال الناس على المرجع أو انكفاءهم عنه - في مسألتنا هذه - لا علاقة له بالتديّن ، وإنّما هو مرتبط بوعي المرجع وجوداً وعدماً ، فإذا قدّر للقارئ الانكفاء عن مرجعيّات معيّنة ، فإنّه لن يترك الدين ، وإنّما سيتركها إلى مرجعيّات أخرى قد تكون بنظره أكثر وعياً أو أكثر تحقيقاً لأهداف الإسلام التي يراها ، ولن يخسره الدين بذلك ، وإنّما تخسره تلك المرجعيّات على الصعيد الشخصي ، وهذا لا ضير فيه طالما أنّ من المفترض أن تكون المرجعيّات - بحسب تعبيرنا - مأخوذة على نحو الطريقيّة لا الموضوعيّة . * أمّا المانع الثالث ، فيحتاج إلى إعادة نظر ؛ وإن كان ثمّة مفاسد ، فمن قال إنّها أعظم من مفسدة بقاء الوضع على ما هو عليه . ويبدو أنّ الإمام الخامنئي لا يعتقد بهذا المانع ، حيث يقول في نصٍّ سبق أن سجّلناه : « إنّ عدم الاعتراف بالنقص يعني عدم إمكانيّة معالجته . إنّ هذه المهمّة مناطة بكم لا سيّما الفضلاء الشباب : اطرحوا هذا الموضوع وكرّروا طرحه ، اكتبوا واستدلّوا عليه ، ناقشوا الذين يعارضون هذا المنحى ، جادلوهم بالحق ، وأثبتوا لهم أنّ هذا المريض مريضٌ حقّاً ، وأنّ هذا الجسم الحي يعاني الألم ، وما لم يفهموا ألمه ، سيبقى مريضاً دائماً » « 1 » ، وذلك بعد قوله : « لكنّ وضع الحوزة يختلف اليوم عمّا كان في الماضي ، فهي اليوم متخلّفة كثيراً عن زمانها ، ومساحة هذا التخلّف ليست صغيرة » « 2 » . والخلفيّة التي قد تدفع الناس إلى إحداث حالة من الهرج والمرج بسبب نسمة من النقد تطال الجسم ، بل حتّى بسبب توصيفٍ لمرضه دون نقده ، إنّما هي من صنع يدي هذا الجسم نفسه ووليدة النهج الذي دأب على تكريسه ، ولو عن غير قصد . فلو أنّه حاول على مدى السنين المتراكمة أن يُفهِم الناس أو يشعرهم - ولو بطريقة غير مباشرة تحافظ على مكانته المقبولة بل والمرموقة - بأنّه لا يعلو على النقد ، وبأنّه فعلًا غير معصوم ، وبأنّ وجود أخطاء يُمنى بها خلال مسيرته وضعٌ طبيعي في ظلّ غياب إمامة الحق ذات العصمة المطلقة ، وبأنّ نيابته العامّة عن هذه الإمامة الحقّة لا تسحب عليه ما لها من قدسيّة وعصمة مطلقتين . . . لو كان منه هذا ، لما جرّ عليه إبداء حفنة من الملاحظات الهرج والمرج . ثمّ إنّنا لم نمارس في هذا الكتاب نقداً ولم نبرز رأياً أو كلاماً معياريّاً ليستتبع ردّات فعل بدرجة معيّنة ، وإنّما اقتصرنا على العرض والتوصيف ليشكّل ذلك خطوة مخفّفة . الأمر الخامس لا شكّ في أنّ العلماء ليسوا معصومين وليسوا منزّهين عن الهفوات . يقول الشيخ مرتضى المطهّري ( ره ) تحت عنوان ( فكرة العوام حول الكريّة واعتصام العلماء ) متحدّثاً عن وضع العلماء ونظرة الناس إليهم ، ما ترجمته : « إنّ بعض الناس يتصوّر أنّ تأثير الذنب على الإنسان يتفاوت بين فردٍ وآخر ، بحيث تؤثّر المعصية في الإنسان العادي وتخرجه من حالة التقوى والعدالة ، ولكنّها لا تؤثّر في طبقة
--> ( 1 ) الحوزة العلميّة في فكر الإمام الخامنئي : 166 ( 2 ) الحوزة العلميّة في فكر الإمام الخامنئي : 150 .