أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
354
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
ووضع الإمام المساواة الحقيقيّة التي جاء بها الإسلام موضع التنفيذ فأعلن بكلّ صراحة قائلًا : « إنّما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم » « 1 » . وقال لأحد ولاته إذ ارتكب جنحة : « والله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كان لهما عندي هوادة ، ولا ظفرا منّي بإرادة حتّى آخذ الحقّ منهما وأزيل الباطل عن مظلمتهما » « 2 » . وهكذا حقّق الإمام المساواة بأروع معانيها ، هذه المساواة التي لا تزال في الحضارات الأجنبيّة حتّى الآن حبراً على ورق . ودشّن سياسته الاقتصاديّة بتطبيق المساواة الصارمة التي فرضها الإسلام بين المسلمين في الأموال العامّة ، وضرب بيد من حديد على الثروات المنهوبة من الأمّة ، وأعلن بكلّ وضوح أنّ كلّ القيم والاعتبارات لا تبيح شرعاً أن تزلزل تلك المساواة بين المسلمين في فيئهم ، فهم في نظر الدولة الإسلاميّة سواء مهما اختلفت درجاتهم عند الله : قال ( ع ) : « أيّها الناس « 3 » ألا لا يقولنّ رجال منكم قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار وفجّروا الأنهار . . . حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ، ألا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أنّ الفضل له على [ من ] سواه بصحبته فإنّ الفضل [ النيّر ] غداً عند الله ، . . . فأنتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسويّة » « 4 » . وأوضح الإمام بكلّ جلاء نظريّة الإسلام الإنسانيّة التي تترفّع عن التعصّب الذميم مهما كان لونه ، فقال لواليه يوصيه : « فإنّهم صنفان : إمّا أخٌ لك في الدين ، وإمّا نظير لك في الخلق » « 5 » . فما أروعها كلمة أراد بها ( ع ) أن يصحّح مفهوم الناس عن الدولة الإسلاميّة ؛ فليست الدولة الإسلاميّة في ضوء هذه الكلمة أداة استعباد لغير المسلمين وعداوة لهم ، بل هي رعاية للأخوّة الدينيّة الخاصّة وللأخوّة الإنسانيّة العامّة . وقد بلغ حرص الإسلام على هذه النظرة الإنسانيّة مبلغاً رائعاً لا نظير له ؛ حتّى أنّ عليّاً - وهو رئيس الدولة الإسلاميّة - وجد درعاً له عند مسيحي فلم يكن له طريق إلى أخذه منه إلّا بالوقوف معه بين يدي القضاء وهكذا وقف رئيس الدولة الإسلاميّة مع المسيحي جنباً إلى جنب أمام القاضي ، وقال الإمام إنّها درعي ولم أبع ولم أهب ، فقال القاضي للرجل المسيحي : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال المسيحي : ما الدرع إلّا درعي . وهنا التفت القاضي إلى الإمام يسأله هل من بيّنة تشهد أنّ هذه الدرع لك ، فضحك علي وقال : ما لي بيّنة ، فقضى القاضي بالدرع للرجل المسيحي ، فأخذها ومشى ، إلّا أنّه لم يخطُ خطوات قلائل حتّى عاد يقول : أمّا أنا فأشهد أنّ هذه أحكام أنبياء ، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضي يقضي عليه ؟ ثمّ قال : الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين ، وأسلم وحسن إسلامه « 6 » . وهكذا استطاع الإمام أن يسجّل في ذهنيّة الأمّة بأقواله وأفعاله مفاهيم الدولة الإسلاميّة الخالدة وآياتها البيّنة ، فأصحبت دولة الإسلام التي عكسها تاريخ عليّ أمل الإنسانيّة في كلّ العصور ، والعقيدة التي يتبنّاها المسلمون جميعاً في كلّ زمان وكلّ مكان . صحيح أنّ الإمام عليه الصلاة والسلام لم ينجح كلّ النجاح في القضاء على المناوئين والمتربّصين بالدولة
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة 36 : 7 ( 2 ) نهج البلاغة : 412 ، الرسالة 41 ( 3 ) ليست في المصدر ( 4 ) شرح نهج البلاغة 37 : 7 ( 5 ) نهج البلاغة : 427 ، الرسالة 53 ( 6 ) انظر مثلًا : المغني لابن قدامة 444 : 11 ، وقد أوردها علماؤنا في كتبهم الفقهيّة ( المبسوط 149 : 8 ) ؛ وانظر : بحار الأنوار 316 : 34 .