أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
353
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
به من الأعداء والخصوم السياسيّين والحربيّين إلّا بسبب استبساله في الحفاظ على أهداف الدعوة وحرصه على إقامة الدولة الإسلاميّة بعيدةً عن تضليل المضلّلين وأطماع الطامعين . وهكذا نستطيع أن نقول : إنّ الإمام حارب أوّلًا في سبيل الدعوة الإسلاميّة ومثلها ، وحارب أخيراً في سبيل الدعوة الإسلاميّة ومنهاجها في السياسة والحكم ، فلم تكن الدولة الإسلاميّة في نظر الإمام لتنفصل عن الإمام بالذات ، ولم تكن العقيدة الإسلاميّة في رأيه لتنفصل عن وعي إسلامي كامل لكلّ نواحي الحياة ، ولم يكن ليكتفي الإمام من المسلمين أن يفهموا كعقيدة في القلب أو ألفاظ تردّدها الشفتان فحسب ، وإلّا فلماذا شنّ تلك الحروب في خلافته ومني بالمنازعات ، مع أنّ الإسلام من حيث هو عقيدة في القلوب أو ألفاظ على الشفاه لم يكن موضع خلاف ونقاش ، ألم يكن كلّ ذلك لأجل أن تعي الأمّة الإسلام وعياً صحيحاً وأن يطبّق عليها تطبيقاً نزيهاً ! وهذا ما فعله الإمام ( ع ) تماماً حينما تولّى الحكم وأخذ بزمام القيادة السياسيّة للأمّة ، فأعلن قبل كلّ شيء هدف الحكم الإسلامي الصحيح ، وحدّد رسالته المقدّسة فقال مشيراً إلى نعله : « إنّ هذا النعل هو خير عندي من ولايتكم هذه إن لم أقم حقّاً وأزهق باطلًا » « 1 » . وهكذا وضع للدولة الإسلاميّة هدفها الأساسي المتمثّل في جانب إيجابي ، وهو إقامة القسط والعدل وجانب سلبي وهو إزهاق الباطل . فليس الحكم في مفهوم عليّ عن الإسلام ذريعة من ذرائع الثراء المحرّم والجاه العريض ، ولا أداة للقهر والغلبة والاستيلاء ، ولا وسيلة من وسائل التخمة والدعة وإشباع الحفدة والأنصار ، ولا جهازاً يتملّق لطائفة أو تستأثر به فئة على حساب الآخرين ، وإنّما هو حكومة الحقّ والعدل والتطبيق النزيه لأحكام الله على العباد ، فإذا فقد ذلك كان صفراً في حساب عليّ والإسلام . ولذلك قالها الإمام صريحة مدويّة في وجوه أولئك الذين كانوا يزعمون أنّهم ينصحونه بشيء من اللين والانحراف ، قالها لتخلد في تاريخ الإسلام كلمات مشرقة بالنور عامرة بأسمى مثل العدالة : « أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه ، والله ما أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً » « 2 » ؛ ذلك لأنّ حكومة الإسلام هي حكومة العدل والحقّ والقسط ، فإذا قامت على أساس من الجور فقدت معناها الإسلامي الذي هو كلّ قيمتها في نظر عليّ العظيم . وحدّد ( ع ) مسؤوليّته تجاه رعيّته ومدى مشاركته لهم في جشوبة العيش ومكاره الدهر ، فقال : « هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل : وحسبك داءً أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ « 3 » أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش » « 4 » . وهكذا أفهم الإمام ( ع ) الأمّة أنّه آخر من ينبغي أن يشبع في رعيّته ، وليس أوّل من يشبع هو الحاكم كما كان يريد المتأوّلون والمنحرفون من خصومه السياسيّين .
--> ( 1 ) انظر : نهج البلاغة : 76 ، خ 33 ، بالمعنى ( 2 ) نهج البلاغة : 183 ، ح 126 ( 3 ) لم نعثر عليه عند غيره ، وانظره في : أنوار العقول من أشعار وصي الرسول : 192 ( 4 ) نهج البلاغة : 417 - 418 ، الرسالة 45 .