أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
352
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الحقّ والعدل والخير . وهكذا رافق الإمام أدوار الدعوة كلّها ؛ فتغذّى بروحها وغذّاها بجهاده واستمدّ منها مثله العليا وتحقّق فيه وجودها الإنساني الأمثل . . . رافق الإسلام وهو دعوة تبشّر لعالم جديد كلّه عدل وخير وحق ، فكان أوّل من أسلم وآمن بدعوته وجنّد نفسه وكلّ إمكاناته لها . ورافق الإسلام وهو ركيزة تكتّل فكري قوي متضامن يستعذب الموت في سبيل المبدأ الحي ، ويستهين بالآلام لأجل أن ترتفع راية الإسلام وتخفق على أرجاء المعمورة بالخير والرحمة ، فكان الإمام بطل ذلك التكتّل الإسلامي المرصوص وشريك النبي في حمل أعباء التكتّل وقيادة الدعوة والدفع بها إلى الأمام وتذليل العقبات المعنويّة والماديّة التي تعترض طريق التكتّل الإسلامي المبارك وتعيقه عن نشر رسالته الإلهيّة الكبرى . . . ورافق الإسلام حين أصبح الإسلام دولة كاملة تتمتّع بأداة سياسيّة قويّة ، فاحتفل مع سائر المسلمين بوضع الحجر الأساسي للدولة الإسلاميّة إثر هجرة النبي إلى المدينة ، واستمرّ يؤازر النبي في تسيير جهاز الدولة وتنميتها والاضطلاع بمختلف المسؤوليّات فيها ، كتحمّل أعباء القيادة العسكريّة كما اتّفق في أكثر غزوات النبي « 1 » ، وحمل الدعوة إلى الخارج كما صنع حين أرسله النبي إلى اليمن « 2 » ، وتمثيل الدولة الإسلاميّة في مجال العلاقات السياسيّة كما حصل عند قيامه بمهمّة تبليغ براءة إلى أهل مكّة « 3 » . إلى غير ذلك من ألوان العمل والجهاد التي زخرت بها حياة الإمام . ولم يتح له بعد وفاة رسول الله أن يحتلّ موضعه الطبيعي ، غير أنّه كان على طول الخطّ العين الساهرة على القضيّة الإسلاميّة ، والجندي الأوّل لها إذا دقّت أجراس الخطر مهما كانت الظروف السياسيّة ، حتّى أتيح له أخيراً أن يباشر صلاحيّاته رئيساً للدولة الإسلاميّة ، فاستطاع الإسلام أن يقدّم فيه الحاكم الإسلامي الأروع والنموذج الفذّ للحكم الذي عجزت كلّ المبادئ الأخرى في العالم عن تقديم نظيره طيلة حياته السياسيّة . فحياة الإمام إذن كانت أبداً ودائماً حياة جهاديّة تتفجّر بطاقات الكفاح من أجل تحقيق مثل الإنسانيّة الأعلى بتطبيق الإسلام وترجمته إلى واقع ملموس محسوس يتمثّل في حاكم وحكم يسعد به الناس ويعيشون في كنفه إخواناً وادعين . وكانت الحياة الجهاديّة للإمام ذات لونين ؛ فقد وقف تارةً يحارب قوى الكفر الصريحة السافرة التي أنكرت الإسلام كدين وتنكّرت له كمبدأ وعادته كدولة ، فسجّل في وقفاته الغرّ معها أروع الانتصارات للدعوة والإسلام . ووقف تارةً أخرى وقفته الجهاديّة الخالدة في أيّام خلافته ليصحّح مفاهيم المسلمين عن الإسلام ، ويقوم سدّاً دون الانحراف عن أهدافه العليا ونظامه الأمثل الذي بدأ المنحرفون والمتأوّلون يتلاعبون به ويشوّهونه طبقاً لأفكارهم الجاهليّة وشهواتهم الرخيصة ، ويرفعون شعارات جديدة لا تمتّ إلى روح الإسلام بصلة ، فذاك هو القتال على التنزيل وهذا هو القتال على التأويل على حدّ تعبير رسول الله « 4 » . . . والواقع أنّ المعركة التي خاضها الإمام ضدّ التأويل والتلاعب بأحكام الإسلام والانحراف عن نصوصه في الدولة والحكم والدستور لم تكن تقلّ خطراً عن معاركه الكبرى مع الكفّار والمشركين . ولم يُمنَ بما مني
--> ( 1 ) انظر : أمالي الشيخ الطوسي : 170 ( 2 ) انظر : الكافي 28 : 5 ( 3 ) انظر : تفسير العيّاشي 213 : 2 - 214 ؛ بحار الأنوار 273 : 21 ، 295 : 35 ، 190 : 95 ( 4 ) انظر : الكافي 10 : 5 .