أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 43

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

2 - إذا كان ما تقدّم لا يُخرج من المأزق الشرعي ، فإنّ المسألة على أيّة حال تتبع تقليد المرء إن كان من المقلّدين ، ومقلَّدي يجوّز هذا السرد ما لم يقصد السارد الانتقاص ، والله تعالى شاهدٌ على أنّ هذا القصد لم يكن دخيلًا ، وعلى من يختلف معي في وجهة النظر أن يأخذ بعين الاعتبار براءة ذمّتي من جهة تقليدي ، ولا يحمّلني قناعاته أو تقليده هو . وقد جاء في الاستفتاء الموجّه إلى قائد الأمّة الإمام الخامنئي ما يلي : « الشخصيّات التأريخيّة التي لها آثار علميّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة ، وأصبح أمرها متعلّقاً بعموم المجتمع ، فلو تعرّضوا للنقد سلباً أو لتقييم آرائهم ومواقفهم وأخلاقهم وجزئيّات حياتهم ، وقد يكون بعض ذلك عيباً ، فما الحكم ؟ » . وجاء في الجواب : « لا مانع من ذلك ما لم يقصد الانتقاص » « 1 » ، فكيف إذا اكتفينا بالعرض وأحجمنا عن التقييم والنقد المعياريّين ؟ ! ولن أطيل في المسألة بعد أن كنتُ مُبرَأ الذمّة بحسب تقليدي . ولكنّي أودُّ الإشارة إلى أنّنا إن لم نقل : إنّ البحث التاريخي برمّته خارج عن مورد البحث ، وأنّ أدلّة التحريم منصرفة عنه ، فإنّ مواد الكتاب خارجة عن موضوع الاستشكال الشرعي موضوعاً ؛ باعتبار عدم كونها عيباً ، أو باعتبار التجاهر . . وإلّا فحكماً ؛ باعتبار تزاحم الملاكات وتقديم ما نحن فيه لغرض شرعي صحيح بحسب ما نطمئنُّ إليه في ظلّ توجيهات شخصيّات من قبيل الإمام الخميني ( ره ) والإمام الخامنئي . وربّما لهذا السبب ذكر بعض العلماء المعاصرين أنّ المحرّم من الأمر يقتصر على الأمور الشخصيّة الناجمة عن الحسد وما شابه ، ولا يشمل الأمور الاجتماعيّة التي يجوز فيها الانتقاد العلني « 2 » ، فكيف إذا لم يكن هناك انتقاد ، كما هو الحال في كتابنا هذا ؟ ! والإمام الخميني ( ره ) - مثلًا - وإن كان من أكثر المتشدّدين في بحثه حول المسألة من الناحية الفقهيّة في كتاب ( المكاسب ) ، يطلب من السيّد حميد روحاني - كما قدّمنا سابقاً - تدوين التاريخ كما وقع ودون ستر للأمور ، حيث يقول ( ره ) ما ترجمته : « . . وعليكم أن تكتبوا الحقائق وإن لزم من ذلك تضرّركم أو تضرّر من تربطكم بهم علاقة . . إذا أردتم أن يكون التاريخ الذي تكتبونه مفيداً للإسلام والمسلمين ، فعليكم أن تكتبوه بعيداً عن أيّة أغراض . حاولوا أن تكونوا مؤرّخين بهذا النحو . وعليكم أن تبيّنوا المسائل والحوادث كما وقعت ولا يكوننّ في ما تكتبونه مبالغة أو سترٌ للأمور » « 3 » . إنّ هذه النصائح والإرشادات لا يُمكن فصلها عن الجانب الفتوائي بذريعة عدم تدوينها في رسالته العمليّة ، بل يُمكن أن نستفيد منها أنّه يرى مجال البحث التاريخي خارجاً عمّا كان بصدد التنظير له في بحثه الفقهي إذا تجاوز الأمر المشاحنات والطعونات الشخصيّة المحضة ، وكان الهدف

--> ( 1 ) الشهيد الصدر بين أزمة التاريخ وذمّة المؤرّخين : 203 ، نقلًا عن صحيفة ( المبلّغ الرسالي ) ، العدد المؤرّخ ب - 21 / شعبان / 1415 ه - ( 2 ) يادنامه شرق ، ضميمه رايگان تاريخ وانديشه ، شماره 12 ، ويژه آيت الله بروجردي ، فروردين 7 : 85 ( 3 ) نهضت امام خمينى ، ط 11 : 1 15 - 12 .