أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 44
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
منه تدوين التاريخ بكبرياته ، وذلك بغية تعريف الأجيال بمجرياته من أجل ترشيد وعيهم وتزويدهم بالدروس والعبر . وإن كنتُ مخطئاً ولم يكن الأمر كذلك ، فلا شكّ في أنّ سدّ باب تدوين التاريخ بغالبه هو الأولى والمحكّم في المقام بعد ملاحظة الأمور المتقدّمة . إضافةً إلى ذلك ، فقد وجدتُ من المصلحة إيراد بعض الحوادث التي وردت في مصادر منشورة ومتداولة ، ولكنّنا أوردنا فيها بعض القرائن التي لم ترد في تلك المصادر ، أو أضفنا تعليقاً يوجّه بعض الأمور ، ممّا صبّ في نهاية المطاف في صالح من يُظنّ أنّنا نتهجّم عليهم . وبعيداً عن ذلك ، فقد تعرّض السيّد الصدر ( ره ) مؤخّراً إلى انتقادٍ طال تحرّكاته واعتقاداته ، بل طال شهداء الحركة الإسلاميّة في العراق وشرعيّة إقدامهم على ما أقدموا عليه . وكان من الممكن مباركة هذه الخطوة في حال توفّرها على المبرّرات العلميّة والأخلاقيّة الكافية ، إلّا أنّ ذلك لم يكن متيسّراً في ظلّ معاينتي شخصيّاً لموارد تقطيع النصوص وسلخها من سياقها بطريقة تبعد البحث عن أجوائه العلميّة بُعدَ ما بين الأرض والسماء . وقد لاحظنا أنّ المرجعيّة لم تقدم على استنكار هذه الخطوة ، مع أنّها تحمل في طيّاتها ما هو أعظم وأخطر بكثير ممّا يظنّه القارئ مودعاً في هذا الكتاب . ولو صحّت الرواية التي نقلت حول كيفيّة تسوية الأمور بهدف تراجع أحد المراجع عن قراره القاضي بتعطيل الحوزة دروسها استنكاراً ، فهذا يكشف عن تشجيع المرجعيّة - أو بعض وجوهها على الأقل - على الخطوة المذكورة ومباركتها لها . وأجمل الوجوه المفسّرة لما جرى هو أنّ هذا الموقف كان نابعاً إمّا من القناعة بضرورة نقد السيّد الصدر ( ره ) بالذات وبهذا الشكل ، لمصلحة تراها هي ، أو من حرصها الشديد على تكريس ظاهرة نقد المؤسّسة المرجعيّة بشكل عام وتشجيعها عليه ، وذلك تأسّياً منها بأمير المؤمنين ( ع ) الذي لم تمنعه عصمته من الامتثال وغريمه أمام القاضي « 1 » ، في حادثةٍ ربّما فهمتها المرجعيّة تأسيساً منه ( ع ) لمفهوم اجتماعيٍّ مطّرد يُلزم من بيده أزمّة أمور المجتمع بأن لا يترفّع بنفسه عن النقد . فعلى الأوّل ، قيل بالمصلحة في نقد غيره . أمّا على الثاني ، فالأمر سهلٌ . ومهما يكن من أمر ، فإنّي لم أتعرّض في كتابي هذا إلى خصوصيّات الأشخاص خارج الدائرة المتعلّقة بمهمّة الكتاب ورسالته التي أراها له ، فلم أتدخّل في حياتهم الشخصيّة ، ولم أذكر ما يكون موضوعاً لحقّ الله تعالى خاصّة ، فهو على الأقلّ لا يعنيني سواء في مهمّتي أم خارجها ، وقد أهملت ذكر العديد من الأخبار المتعلّقة ببعض الشخصيّات ، لأنّها ذات طابع شخصي محض ولا ارتباط لها بالشأن العام ، كما لم أبدِ اعتناءً في تسجيل ما يتعلّق بالأشخاص الذين لا يعتبرون وجوهاً اجتماعيّة ،
--> ( 1 ) هذه الرواية رواها أهل السنّة ( انظر مثلًا : المغني لابن قدامة 444 : 11 ) ؛ ونقلها علماؤنا في كتبهم الفقهيّة ( انظر مثلًا : المبسوط 149 : 8 ؛ كفاية الأحكام 681 : 2 ؛ كشف اللثام 47 : 10 ) .