أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

316

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وهذا هو مفهوم الإسلام الذي فهمه المسلمون الأوّلون عن النبي ( ص ) فهماً صحيحاً ، فاتّخذوه ديناً ومبدءاً وعقيدةً ودستوراً وأخرجوه من نطاق العقيدة الخالصة إلى حقيقة حيّة في كيان الأمّة كلّها ، متمثّلة في الحياة الإسلاميّة بشتّى جوانبها وخصائصها . بل هذا هو الذي فهمه عن الإسلام أعداؤه أيضاً ، فقد قال ( غلادستون ) الوزير البريطاني المعروف وأحد موطّدي أركان الاستعمار البريطاني في الشرق : « ما دام هذا القرآن موجوداً فلن تستطيع أروپا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان » . إنّ القرآن لا يحمي العالم الإسلامي من النفوذ الكافر ولا يهدّد البلاد الاستعماريّة بالذات لو لم يكن كتاب دين يعمر القلوب ، ومبدأ بناءٍ لحياة الأمم . أيّها الشعب المسلم . . . إنّ الحجب التي كان يضعها الاستعمار وأذنابه بين المسلمين وبين نور الإسلام ومفهومه المشرق قد تمزّقت إلى غير رجعة بزوال ذلك العهد البغيض . فالتفت قليلًا إلى دينك الحبيب ، فإنّك ستجد فيه مبدءاً فوق المبادئ . . وسوف ترى أنّه الطبيب الاجتماعي الكبير الذي يحلّ مشاكل المجتمع : فسوء التوزيع للثروات والطبقيّة واضطهاد الضعيف والاستغلال الفظيع للعمّال والاستهتار بجهودهم ، والترف الفاجر على حساب الأمّة وحقوقها ، كلّ ذلك مفاهيم لا واقع لها في ظلّ الإسلام ، كما سنوضح ذلك في منشوراتنا وكتبنا إن شاء الله . فليفهم كلّ مسلم أنّ دينه - وحده - المبدأ الذي يجب أن يعتنقه في الحياة ، ويدعو إلى تطبيقه ، وأنّ دينه - وحده - الذي يكفل له تحقيق أمانيه وأحلامه ، ويغنيه عن استجداء المبادئ من الأجانب وجلبها من الخارج . إنّ مبدأكم هنا . . هنا . . في صميمكم وواقعكم ، في قلوبكم ونفوسكم ، في دينكم وضميركم . وإنّ الرسول العظيم ( ص ) حبيب القلوب ، ونبيُّ الإنسانيّة الخالد يطالب كلّ مسلم بأن يحمل رسالته وينادي أنّ الاسلام هو دينه ومبدؤه الذي يجب تطبيقه وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ « 1 » . وما أروع ذلك اليوم الذي تتحقّق فيه رسالة الإسلام على يد جمهوريّتنا الحبيبة ، وترتفع فيه من جديد رايه محمّد العظيم ( ص ) راية العزّة والكرامة فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً « 2 » إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ « 3 » وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ] « 4 » ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 5 » أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ « 6 » . وإلى الملتقى القريب إن شاء الله 15 جمادى الثانية 1378 جماعة العلماء

--> ( 1 ) فصّلت : 33 ( 2 ) الروم : 30 ( 3 ) آل عمران : 19 ( 4 ) النساء : 125 ( 5 ) يوسف : 40 ( 6 ) البقرة : 221 .