أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
315
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
من واقع كيانها الحاضر زعامة مخلصة وقيادة جبّارة ترتفع عن الاتّجاهات والنزعات ، لهي أمّةٌ غنيّةٌ بطاقاتها ، قادرةٌ على شقّ طريقها إلى السعادة والسيادة إذا أعلنت ذلك المبدأ الرفيع في ظلّ هذه الزعامة البنّاءة لتاريخ الأمّة الحديث . فإلى الإسلام أيّها المسلمون . . . وإلى دستور القرآن الخالد أيّها المتطلّعون إلى مستقبل أفضل ودستور دائم . دعوة مباركة وجّهها رسول الله إلى الإنسانيّة الكافرة ، فارتفع بها إلى القمّة نوجّهها - الآن - باسم الإسلام إلى الإنسانيّة المسلمة ، إلى الجماهير المؤمنة برسالة محمّد الكبرى . وقد يبدو من الغريب أن ندعو المسلمين إلى الإسلام مع أنّه دينهم الحبيب إلى قلوبهم ، العزيز على نفوسهم الذي لا يحتاجون لاعتناقه إلى دعوة ونداء ! ! وقد يبدو من الغريب أيضاً أنّ هذا الدين الذي ارتفع بالأمّة إلى أفضل المستويات الاجتماعيّة في شتّى مناحي الحياة السياسيّة والخلقيّة والثقافيّة والاقتصاديّة ، يعيش اليوم في قلوب المؤمنين وقد فقد قوّة التسامي بالكيان الاجتماعي إلى القمّة التي يهدف إليها الاسلام ! ! فما الذي أفقده هذه القوّة ؟ ! وما الذي جعل الإسلام يدعو المسلمين إليه وهم مؤمنون به ؟ ! إنّ الذي أفقده القوّة البنّاءة هو أنّ الإسلام لم يعد في ذهنيّة الكثيرين كما بدأ . إنّ الإسلام الذي بدأ وحمل رسالته النبيُّ الأعظم هو العقيدة التي تصوغ الحياة الإنسانيّة كلّها ، وتقدّم لحلّ مشاكلها الخطوطَ العريضة التي تنسجم مع كلّ عصر وزمان . إنّ الإسلام هو الفكرة التي تبلور القلب والعقل والمجتمع بروحها الخيّرة وجوهرها النقي ، والقاعدة الفكريّة التي وضعها الله تعالى ليشاد عليها البناء الإنساني كلّه . إنّ الإسلام الذي نادى به محمّد العظيم ( ص ) دين الحياة في ميادين الفكر ، والروح ، والعمل : ففي ميدان الفكر يدعو إلى المنهج العقلي في التفكير ، ويرفض التفكير التقليدي والعاطفي الخالص الذي يسود المجتمعات المتأخّرة ، كما لا يعتبر التفكير القائم على أساس التجربة والحسّ إلّا فرعاً من فروع المعرفة العقليّة العامّة التي تمتدّ إلى ما وراء الحسّ ، إلى ميادين العقل الخالص : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ] « 1 » . وفي ميدان الروح لا يعتبر الإنسانيّة وقفاً على اللذائذ الماديّة والشهوات الرخيصة ، كما هي في عرف الماديّة الكافرة ولا يهمل جانبها المادي ، كما فعلت الأديان الروحيّة الخالصة ، بل يضع للإنسانيّة قوانينها المهذّبة والمربّية على أساس أنّها مزاج من المادة والمعنى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا « 2 » . وفي ميدان العمل يقيم الإسلام الحياة على مناهجه وأسسه من الحقّ والعدل والخير والمساواة وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ « 3 » وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى « 4 » . هذا هو المفهوم الصحيح للإسلام الذي شعّ على الدنيا ، فأقامها وأقعدها ، وبنى أمّة ، فركّزها وأعزّها ، وأنشأ مجتمعاً ، فذابت في أضوائه جميع المشاكل التي تشكو منها المجتمعات الإنسانيّة .
--> ( 1 ) البقرة : 170 ( 2 ) القصص : 77 ( 3 ) الكهف : 29 ( 4 ) الأنعام : 152 .