أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

263

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وقوانين ، الأمر الذي يؤدّي بالتالي إلى انخفاض وعيها الحقيقي لواقعها الفاسد . فطبيعة الدعوة الإصلاحيّة إذن لا تتّفق مع طبيعة الإسلام وواقع الأمّة اليوم ، لهذا كانت الدعوات الإصلاحيّة ترتكب خطأً بتقديمها دعواتها للأمّة على أنّها قضيّة الإسلام التي لا بدّ للأمّة أن تتبنّاها . إنّ قضيّة الإسلام اليوم ليست مسألة تجميع الزكوات من بعض المحسنين ، أو جماعة تؤدّب المتجاهرين بالإفطار أو تحثّ على الحجاب أو تطالب بزيادة أجور العمّال ، إنّما هي قضيّة التغيير الكلّي والانقلاب الشامل ، فكلّ محاولة لتغطية الحقيقة وإبراز حاجة الأمّة بشكل غير شكله الحقيقي تكون تضليلًا للأمّة وإبعاداً لها عن جهادها الحقيقي مع قوى الكفر والتسلّط ، ولكنّ هذا لا يعني بحال من الأحوال أن تكون الأعمال التي تقوم بها الدعوات الإصلاحيّة خطأً ولا يعني جواز إهمال تلك الأعمال واعتبارها لغواً ، وهنا يكمن الخطأ الذي وقع فيه الاتّجاه الثاني الذي أخذ به بعض الانقلابيّين فشجب نشاطات الدعوات الإصلاحيّة واعتبرها معيقة عن العمل الأساسي للإسلام . إنّ الدعوة إلى السلوك الخلقي النظيف وتطهير المجتمع من مفاسد الانحلال ليست دعوة خاطئة ، وإنّما الخطأ القيام بذلك على شكل دعوة اصلاحيّة للواقع القائم وإعطاء كلمة الإسلام في الانحلال الخلقي على أنّها قضيّة الإسلام وهدف الإسلام ، لأنّ الهدف الحقيقي للإسلام هو قلب الواقع لا ترميمه ، فحين يدعى إلى القضاء على الرذيلة والشذوذ لا بدّ أن يدعى إليه على أنّه جزءٌ من عمليّة التغيير والانقلاب على الأمّة ، وحين تكون الدعوة إليه قائمةً على هذا الاعتبار تصبح دعوة إلى جانب من جوانب الانقلاب الأساسي الشامل ، وهي وإن لم تختلف في المظهر عن الدعوة الإصلاحيّة إلّا أنّها تختلف عنها في الوعي وفي الفكرة التي تحملها ، وكذلك الأمر في الدعوة إلى إحباط المعاهدات والاتّفاقيّات والأحلاف الاستعماريّة ، وكلّ الأعمال الإصلاحيّة . وعلى هذا فليس من طبيعة الدعوة الانقلابيّة أن تمتنع عن القيام بمثل تلك الدعوات وإنّما من طبيعتها أن تنظر إلى كلّ شيء تدعو إليه نظرة انقلابيّة بصفته جزءاً من كل ، وهي لذلك تؤكّد وتشرح للأمّة دائماً عدم رضاها عن الواقع بكامله وتوضح أنّ دعوتها لمحاربة تعاطي المسكرات والمخدّرات في مدينة أو بلدة أو محلّة ليست لأنّ الواقع يتطلّب إصلاحاً في هذا الجانب وحسب بل باعتبار أنّ جزءاً من المخطّط الإسلامي الانقلابي قد تهيّأ له من الأسباب والأجواء ما لم يتهيّأ لمحاربة الربا والقمار والرشوة مثلًا ، وليس من الصحيح شرعاً أن يقال إنّ الدعوة الانقلابيّة لا ترضى بتبذير جهودها في هذه الأمور البسيطة ، فإنّ الانقلاب الشامل لا يمكن أن يحصل دفعة واحدة في كيان الأمّة ، وحتّى إذا أصبح الحكم إسلاميّاً فإنّ هذا لا يعني في بعض الحالات الانقلاب الشامل ، وإنّما هو الجزء الذي يختصّ بالحياة السياسيّة من الانقلاب . الانقلاب إذن شيءٌ يسار فيه بالتدريج وتكون كلّ مرحلة فيه وكلّ خطوة فيه ممهّدة للخطوة الأخرى ، وكلّما تهيّأت الظروف والشروط للدعوة إلى تطبيق حكم شرعي واحد من أحكام الإسلام فلا يجوز إهمال الدعوة إليه ، وما دام الوعي الذي ترتكز عليه الدعوة في محاربة المنكر وإقامة المعروف وعياً انقلابيّاً كما أكّدنا عليه فسوف يكون نجاح الدعوة في كلّ جزء كسباً للانقلاب ذاته وتقريباً للأمّة نحو الحياة الإسلاميّة الكاملة . وخلاصة الموضوع : أنّ خطأ الدعوات الإصلاحيّة يكمن في وعيها لا في عملها الإصلاحي ، ونحن مع إيماننا بالدعوة الانقلابيّة الجذريّة لا نرى جواز إهمال المجال الإصلاحي وإنّما نرى أن يفهم بروحه الانقلابيّة وباعتبار أنّه جزء من كلّ ممّا يريده الإسلام . وفي هذا المجال علينا أن لا ننسى أنّ من الضروري للدعوة الانقلابيّة أن تقارن بين الأعمال الإصلاحيّة والجذريّة وتعمل على تجنيد القوى والطاقات لما هو أكثر أهميّة وتأثيراً في عمليّة الانقلاب الشاملة .