أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
109
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
والجزع طريقاً إلى قلبها الكبير . جُرأتها في طرح ما تعتقده حقّاً واضحة وجليّة ؛ فلقد عرفتها المحافل الخاصّة والعامّة تتكلّم وتنتقد وتوجّه وتلوم ، وتحرّض ضدّ الظلم والظالمين بكلّ شجاعة وحكمة ، رغم القلاقل والاضطرابات والأوضاع الحرجة التي كانت تمرّ علينا في العراق ، ويفرضها علينا النظام البائد . ورغم وسائل الإرهاب والتخويف التي كانت توجّهها السُلطة الغاشمة إلى بيت السيّد الشهيد سرّاً وعلانية ، إلّا أنّني لم أجدها جازعة قط ، إلّا في يوم يتيم ، حيث كانت أجواء النجف متوتّرة قلقة . وفي ذلك اليوم دخلت بيت السيّد الشهيد كالمعتاد ، فرأيت وجوماً يعلو الوجوه . ورأيت الشهيدة في وضع المضطرب القلق ، بل شُدِهتُ واندهشتُ عندما رأيتها للمرّة الأولى تبكي ، فخفت واضطربت ، فهل حصل مكروه لا قدّر الله ؟ ثمّ عرفت أنّ السبب أنّهم كانوا ينتظرون عودة السيّد الشهيد إلى البيت ، وقد تأخّر في الرجوع على غير عادته ، ولم يعرفوا له مكاناً . وكان هذا هو سبب اضطراب الشهيدة أخته . ولكنّ المفارقة أنّني دخلت عليها مرّة أخرى وكان الجو العام متكهرباً ، والترقّب والتوتّر كانا يصبغان الساحات ويضطرمان في القلوب ، فالسيّد الشهيد كان معتقلًا في واحدة من جرائم الاعتقال المتكرّرة التي تعرّض لها ، إلّا أنّها في هذه المرّة كانت - كعادتها دائما في كامل وقارها وثبات جنانها ، تلهج بالدعاء والذكر ، بينما أنا التي كنت خائفة على مصير هذا الرجل العظيم ، وعلى مصير الأمة من ورائه . استقبلتني ورحّبت بي كالمعتاد في حنوّ ووُدّ ، فسألتها ذلك اليوم : ( ما الحلّ وما العمل تجاه هذه التطوّرات السيّئة من اجتراء واجتراح النظام على حريم العلماء والدين ، وسلبيّة الأمّة في موقفها ؟ ) ، فأجابت في ثبات وثقة : ( إنّه دور العلماء ومسؤوليّاتهم ، ولن يستطيع غيرهم أن يحرّك ساكناً إن بقيت الحوزة والعلماء في سكون مطبق وصمت كصمت المقابر ، وما النصر إلّا من عند الله ) . . . ولربّ سائل يسأل : لِمَ لَمْ تتزوج السيّدة بنت الهدى إذن ما دامت تملك هذه المقوّمات والملاكات لربّة بيت ناجحة ؟ ورغم أنّ الكثيرين من الأكفّاء من أبناء كبار بيوتات النجف العلميّة ، سادةً هاشميّين كانوا أو من غيرهم ، قد تقدّموا لخطبتها ؟ والجواب يكمن في أنّ الشهيدة كانت ترى أنّ ساحة العمل الإسلامي في العراق بحاجة إلى انضمام المرأة بكلّ كفاءة بجانب أخيها الرجل . وكانت صفوف الحركة الإسلاميّة تفتقد بالفعل هذا العنصر الإنساني الحيوي الفعّال ، فعزمت على أن تفرّغ نفسها كاملًا لخدمة هذا الجانب المقدّس من العمل الرسالي ، وهو التعهّد بصناعة جيل من النساء الزينبيّات ، ليرفدن عجلة التحرّك نحو الأهداف السماويّة . لقد كانت تؤمن أنّ من أهم وأشرف أدوار المرأة أن تكون زوجة صالحة وأمّاً بارّة ونواة لأسرة ناجحة . غير أنّها كانت ترى أيضاً أنّ مسؤوليّة إعداد جيل صالح من النساء لأجل تكامل المجتمع المسلم في العراق ، تفتقر إلى من يتفرغ ويتعهّد بتربية مثل هذا الجيل الزينبي . كانت تقول رحمها الله إذا وُجِّه إليها مثل ذلك السؤال : ( إنّي لو تزوّجت فقد أسعَد بتربية طفلين أو ثلاثة ، ولكنّي الآن أكثر سعادة وأشدّ فرحاً وهياماً ، وأنا أرى أمامي هذه الأفواج من الفتيات الطاهرات والنساء الصالحات ؛ إذ وفّقني الله لخدمتهنّ وتنشأتهنّ بما يرضي الله ) . وهي بذلك تشير إلى تعهدها الإشراف والإدارة والتوجيه لعدد من مدارس الفتيات الخاصّة