أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
88
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
ثانية ليثبت مدى خيانة الإنجليز . ذلككلّه بالإضافة إلى الممارسات الداخليّة - خاصّة في ميدان الضرائب - أدّى إلى انتفاضة شعبيّة في العراق بلغت أوجها في الثورة العراقيّة الكبرى التي أصبحت تعرف بثورة العشرين . الثورة العراقية الكبرى أو ثورة 1920 م اشتدّ نضال الحركة الوطنيّة ضدّ الإنجليز بعد أن وضعت الحرب العالميّة أوزارها لكلّ الأسباب التي ذكرناها سابقاً ، خاصّةً بعدما جاء في ميثاق عصبة الأمم التي وضع مؤتمر الصلح ميثاقها سنة 1919 م - من تقسيم البلاد العربيّة التي كانت تحت السيطرة العثمانيّة بين بريطانيا وبين فرنسا ، ثمّ ما أقرّه الحلفاء في مؤتمر ( سان ريمو ) سنة 1920 م من وضع العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني ، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي . فعلى إثر ذلك ضاعفت الحركة الوطنيّة من نشاطهاوتكاتفت جميع القوى المخلصة القوميّة والدينيّة لطرد الإنجليز وتحقيق الاستقلال ، فاجتمع أقطاب الحركة الوطنيّةووضعوا اللمسات الأخيرة لإشعال نار الثورة التي هيّأوا لها منذ دخول القوّات البريطانيّة وبالاتّفاق مع عشائر الفرات الأوسط ، فاتّصلوا بالمرجع الديني الكبير الشيخ محمّد تقي الشيرازي الذي أصدر فتواه الشهيرة « المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيّين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن ، ويجوز لهم التوسّل بالقوّة الدفاعيّة إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطاليبهم » . وهكذا انطلقت الرصاصة الأولى للثورة العراقيّة في 30 / 6 / 1920 م في الرميثة والنارنجيّة ، ثمّ تبعتها بقيّة المدن والقرى العراقيّةوعلى رأسها مدينة النجف التي كانت القاعدة الأساسيّة لثورة العشرينالتي أبدى فيها العراقيّون من البسالة ما جعل الاستعمار البريطاني يحسب لهم فيما بعد ألف حساب ، إذ غيّر ذلك الاستعمار فعلًا من سياسته الرامية إلى ضمّ العراق إلى إدارته الاستعماريّة في الهندوإلى تقديم بعض التنازلات ، منها إقامة حكومة مؤقّتة من عناصر تنفّذ المصالح الإنجليزيّة وتحظى في الوقت نفسه بثقة الجماهير . وفعلًا تشكّلت حكومة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني غايتها الأساسيّة العمل على تهيئة الأجواء لتشكيل مجلس نيابي منتخب لسنّ الدستور ، وأخذ السير برسي كوكس المندوب السامي يتجوّل بين مختلف المدن لزيارة وجهائها لتهدئة خواطرهمإلى أن بدأت الطمأنينة تستتبُّ في النفوس شيئاً فشيئاً حتّى انتهت الثورة الكبرى التي استمرّت من حزيران - إلى تشرين الأول / 1920 م ، وكان عدد الشهداء والضحايا حوالي عشرة آلاف . كما تكبّدت فيها بريطانيا خسائر فادحة ، بالإضافة إلى الدرس الملئ بالعبرالذي جعلها تتيقّن من أنّها لن تستطيع بأيّة حال من الأحوال حكم العراق بشكل مباشر . لذلك أخذت تبحث عن وسيلة جديدة تضمن بها مصالحها بأقلّ ثمن ، فاتّجهت من جديد إلى الهاشميّين وإلى عائلة الشريف حسين بالذاتالذي كانت قد خانته فيما مضى . تنصيب الملك فيصل ملكاً على العراق ارتأت بريطانيا هذه المرّة اللعب بورقة ابني أمير مكّة عبد الله وفيصل الذي كان قد اكتسب شهرة واسعة أثناء الحرب العالميّة ، حيث كان قائداً للقوّات العربيّة التي قاتلت إلى جانب الحلفاء في الشرق الأوسط ، ولذلك حضر بصفته ممثّلًا للحجاز في مؤتمر السلام في فرساي ، وكان يطمح إلى