الشيخ محمد رضا النعماني
61
شهيد الأمة وشاهدها
وكان يُجيب أُولئك الذين لا تسمح لهم الظروف بالخروج من الحزب بأنّه : ( يجب عليكم العمل من داخل الحزب لتفتيته بأيّ شكل ترونه مناسباً . . . ) . ومن الطبيعي أن يتسرّب خبر الفتوى إلى السلطة ، فبعثت جواسيسها لتسجيل الفتوى من لسان السيّد الشهيد لإدانته بها فيما بعد ، ولم يكن - رضوان الله عليه - حذراً من ذلك ، وأتذكّر أنّ أحد العلماء طلب من السيّد الشهيد أن يحتاط في الجواب ، ويقتصر على الأشخاص الموثوقين تماماً . وكان جواب السيّد الشهيد - رحمه الله - : ( لا ضير من ذلك ، فأنا أريد أن يعلم الجميع أنّ الانتماء لحزب البعث حرام ، ولتعلم السلطة بموقف المرجعيّة الرافض لحزبها وعقائدها ) . ومن المؤكّد أنّ المردود الإيجابي لهذه الفتوى كان كبيراً ، بل أقلق السلطة وهي في أكمل مراحل قوّتها ، ولم تتمكّن من اتّخاذ ردّ الفعل المناسب الذي كنّا نتوقّعه في ذلك الوقت . والحقيقة أنّ هذا الموقف المشهود يعتبر من أشجع وأنبل المواقف للسيّد الشهيد - رضوان الله عليه - قياساً إلى الأوضاع السياسيّة والأمنيّة في العراق ، فمن عاصر تلك الفترة السوداء وشاهد نظام البعث يقتل حتّى الأطفال والنساء والشيوخ لمجرد الظن والتهمة ، لا لجريمة اقترفوها أو ذنب ارتكبوه يدرك أيّة شجاعة كان يتمتّع بها شهيدنا العظيم ، وأيّة غيرة على الإسلام يحملها ذلك القلب الكبير . 2 - كانت الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة في فترة مّا من تاريخ العراق قد فرضت على العلماء والفقهاء أن يتّخذوا موقفاً سلبيّاً من مسألة الدخول في الجيش العراقي ، فأفتوا بالحرمة على أساس أنّه عمل مع الظالمين ، أو إعانة لهم في ظلمهم . وكان من الطبيعي أن يتجنّب الأخيار الدخول في الجيش متطوّعين . أمّا من لم يكن مهتمّاً بالتديّن والالتزام ، فإنّه وجد في الانضمام إلى الجيش فرصة مناسبة للعيش ، خاصّة وأنّ الأوضاع الاقتصاديّة كانت في تلك الفترة رديئة للغاية .