السيد الطباطبائي
291
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
وفعلا متأخّر الوجود عن الواجب تعالى من غير واسطة ، متقدّم في مرتبة الوجود على سائر المراتب الوجوديّة . ثمّ إنّ الماهيّة لا تتكثّر أفرادها إلّا بمقارنة المادّة . والوجه فيه أنّ الكثرة إمّا أن تكون عين الماهيّة أو جزئها أو خارجة منها لازمة لها أو خارجة منها مفارقة لها ، وعلى التقادير الثلاثة الأول لا يوجد للماهيّة فرد ، إذ كلّما وجد فرد لها كان من الواجب أن يكون كثيرا ، وكلّ كثير مؤلّف من آحاد ، والواحد منها وجب أن يكون كثيرا ، لكونه مصداقا للماهيّة ، وهذا الكثير أيضا مؤلّف من آحاد ، وهلمّ جرا ، فيتسلسل ولا ينتهي إلى واحد ، فلا يتحقّق كثير ، فلا يوجد للماهيّة فرد . فمن الواجب أن تكون الكثرة الأفراديّة أمرا خارجا من الماهيّة مفارقا لها ، ولحوق المفارق يحتاج إلى مادّة ، فكلّ ماهيّة كثير الأفراد فهي مادّيّة ، وينعكس عكس النقيض إلى أنّ كلّ ماهيّة غير مادّيّة - وهي المجرّدة وجودا - لا تتكثّر تكثّرا أفراديّا - أي أنّ كلّ مجرّد فنوعه منحصر في فرد - وهو المطلوب . نعم ، يمكن الكثرة الأفراديّة في العقل المجرّد فيما لو استكملت أفراد من نوع مادّيّ ، كالإنسان بالسلوك الذاتيّ والحركة الجوهريّة من نشأة المادّة والإمكان إلى نشأة التجرّد والفعليّة الصرفة ، فيستصحب التميّز الفرديّ الّذي كان لها عند كونها في أوّل وجودها في نشأة المادّة والقوّة . فتبيّن أنّ الصادر الأوّل الّذي يصدر من الواجب تعالى عقل واحد هو أشرف موجود ممكن ، وأنّه نوع منحصر في فرد . وإذ كان أشرف وأقدم في الوجود فهو علّة لما دونه وواسطة في الإيجاد . وأنّ فيه أكثر من جهة واحدة ، تصحّح صدور الكثير منه [ 1 ] ، لكنّ الجهات الكثيرة الّتي فيه لا تبلغ حدّا يصحّ به صدور ما دون النشأة العقليّة بما فيه من الكثرة البالغة ، فمن الواجب أن يترتّب صدور العقول نزولا إلى حدّ يحصل فيه من الجهات عدد يكافئ الكثرة الّتي في النشأة الّتي بعد العقل .
--> ( 1 ) وفي النسخ : « تصحّ صدور الكثير عنه » والصحيح ما أثبتناه .