السيد الطباطبائي

292

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

وتتصوّر هذه الكثرة على أحد وجهين : إمّا طولا وإمّا عرضا . فالأوّل - وهو حصول الكثرة طولا - : أن يوجد عقل ثمّ عقل وهكذا . وكلّما وجد عقل زادت جهة أو جهات ، حتّى ينتهي إلى عقل تتحقّق به جهات من الكثرة تفي بصدور النشأة الّتي بعد نشأة العقل ، فهناك أنواع متباينة من العقول ، كلّ منها منحصر في فرد ، وهي مترتّبة نزولا ، كلّ عال أشدّ وأشرف ممّا هو بعده وعلّة فاعلة تامّ الفاعليّة له ، لما أنّ إمكانه الذاتيّ كاف في صدوره ، وآخر هذه العقول علّة فاعلة للنشأة الّتي بعد نشأة العقل . وهذا الوجه هو الّذي يميل إليه المشّاؤون [ 1 ] فيما صوّروه من العقول العشرة ونسبوا إلى آخرها المسمّى عندهم ب « العقل الفعّال » إيجاد عالم الطبيعة . والثاني - وهو حصول الكثرة عرضا - : بأن تنتهي العقول الطوليّة إلى عقول عرضيّة ، لا علّيّة ولا معلوليّة بينها ، هي بحذاء الأنواع المادّيّة ، يدبرّ كلّ منها ما بحذائه من النوع المادّيّ ، وبها توجد الأنواع الّتي في عالم الطبيعة وينتظم نظامه ، وتسمّى هذه العقول : « أرباب الأنواع » و « المثل الأفلاطونيّة » [ 2 ] . وهذا الوجه هو الّذي يميل إليه الإشراقيّون ، وذهب إليه شيخ الإشراق [ 3 ] ، واختاره صدر المتألّهين قدّس سرّه [ 4 ] . واستدلّ عليه بوجوه :

--> ( 1 ) راجع الفصل الرابع والفصل الخامس من المقالة التاسعة من إلهيّات الشفاء ، والنجاة : 273 - 278 ؛ والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس : 75 - 82 ، ورسائل ابن سينا : 89 . ( 2 ) قال صدر المتألّهين : « قد نسب إلى أفلاطون الإلهيّ أنّه قال في كثير من أقاويله موافقا لأستاذه سقراط : إنّ للموجودات صورا مجرّدة في عالم الإله ، وربّما يسمّيها المثل الإلهيّة ، وإنّها لا تدثر ولا تفسد ولكنها باقية ، وإنّ الّذي يدثر ويفسد إنّما هي الموجودات الّتي هي كائنة » . راجع الأسفار 2 : 46 . ( 3 ) راجع حكمة الإشراق : 14 - 144 ، وشرح حكمة الإشراق : 342 - 356 و 251 - 254 ، والمطارحات : 455 - 459 . ( 4 ) راجع الأسفار 2 : 46 - 81 ، وج 7 : 169 - 171 و 258 - 281 .