السيد الطباطبائي
261
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
وما أوردناه من البيان يجري في العقول المجرّدة أيضا . فإن قلت : ما سلكتموه من الطريق لإثبات القدرة للواجب تعالى خلو عن إثبات الإرادة بما هي إرادة له ، والّذي ذكروه في تعريف القدرة ب « أنّها كون الشيء بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل » [ 1 ] يتضمّن إثبات الإرادة صفة ذاتيّة للواجب مقوّمة للقدرة ، غير أنّهم [ 2 ] فسّروا الإرادة الواجبيّة ب « أنّها علم بالنظام الأصلح » [ 3 ] . قلت : ما ذكروه في معنى القدرة يرجع إلى ما أوردناه في معناها المتضمّن للقيود الثلاثة : المبدئيّة والعلم والاختيار . فما ذكروه في معنى قدرته تعالى حقّ . وإنّما الشأن كلّ الشأن في أخذهم علمه تعالى مصداقا للإرادة [ 4 ] ، ولا سبيل إلى إثبات ذلك ، فهو أشبه بالتسمية [ 5 ] .
--> - وعلم بالأصلح - أي بالشيء بما يترتّب عليه من المصلحة الّتي هي غاية وجوده - ويتحصّل به أنّ قدرته كون ذاته مبدأ لكلّ خير ومصلحة ، غير أنّ المصلحة المترتّبة خارجا على الفعل لا تكون غاية لذاته المتعالية وداعيا ذا دخل في فاعليّته ، بل هي المصلحة الّتي في علمه الّذي هو عين ذاته ، ولا معنى لجعل هذا العلم تابعا للمعلوم الخارجيّ ، وهو ظاهر . على أنّ مصلحة الفعل وجهة خيريّته مترتّبة على الفعل المترتّب على مبدئيّته الفاعليّة ، فلا تكون مؤثّرة فيها قاهرة عليها ، ولا قاهر أيضا غيرها ، فهو تعالى مختار على الإطلاق . هذا ملخّص القول في التفسيرين ، وقد استبان أنّ القدرة على كلا التعريفين إطلاق الفاعل وعدم تقيّده بإيجاب يلحق به من ناحية الفعل أو الترك » . إنتهى كلامه ملخّصا . ( 1 ) راجع الأسفار 6 : 307 و 4 : 112 ، وشرح المنظومة : 177 . ( 2 ) أي : الحكماء . ( 3 ) راجع الأسفار 4 : 114 ، والتعليقات للشيخ : 16 - 17 . ( 4 ) بل صرّح بعضهم بوحدتهما مفهوما في الواجب تعالى ، كما قال الشيخ الرئيس : « ليست الإرادة مغايرة الذات لعلمه ولا مغايرة المفهوم لعلمه » . راجع الفصل السابع من المقالة الثالثة من إلهيّات الشفاء . ( 5 ) وذلك لأنّه إن كان المراد من قولهم : « إنّ إرادته تعالى علمه » أنّ مصداق إرادته ليس إلّا مصداق علمه وكان كلّ منهما عين الآخر مصداقا فهذا وإن كان حقّا إلّا أنّه لا ينحصر في إرادته وعلمه ، بل جميع صفاته الكماليّة واحد مصداقا ، لاتّحادها مع الذات مصداقا ، -