السيد الطباطبائي

262

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

فإن قلت : من الجائز أن يكون لوجود واحد مّا بحسب نشأته المختلفة ماهيّات مختلفة ومراتب متفاوتة ، كالعلم الّذي إذا تعلّق بالخارج منّا هو كيف نفسانيّ ، وإذا تعلّق بنفوسنا جوهر نفسانيّ ، وعلم العقل بذاته جوهر عقليّ وعلم الواجب بذاته واجب بالذات وعلم الممكن بذاته ممكن بالذات ، فكون الإرادة الّتي فينا كيفا نفسانيّا لا يدفع كون إرادة الواجب لفعله هو علمه الذاتيّ . ثمّ إنّ من المسلّم أنّ الفاعل المختار لا يفعل ما يفعل إلّا بإرادة ومشيئة [ 1 ] ، والواجب تعالى فاعل مختار فله إرادة لفعله ، لكنّ الإرادة الّتي فينا - وهي الكيف النفسانيّ - غير متحقّقة هناك ، وليس هناك إلّا العلم وما يلزمه من الاختيار ، فعلمه تعالى هو إرادته ، فهو تعالى مريد بما أنّه عالم بعلمه الّذي هو عين ذاته . قلت : الّذي نتسلّمه أنّ الفاعل المختار من الحيوان لا يفعل ما يفعل إلّا عن علم بمصلحة الفعل وإرادة بمعنى الكيف النفسانيّ ، وأنّ الواجب تعالى لا يفعل ما يفعل إلّا عن علم بمصلحة الفعل . وأمّا أنّ هذا العلم - الّذي هناك - وجوده وجود الإرادة والمشيئة [ 2 ] وإن لم تكن ماهيّته هي الكيف النفسانيّ فغير مسلّم . نعم ، لنا أن ننتزع الإرادة من مقام الفعل كسائر الصفات الفعليّة ، كما تقدّمت الإشارة إليه في البحث عن صفات الفعل [ 3 ] وسيجيء [ 4 ] . وبالجملة : لا دليل على صدق مفهوم الإرادة على علم الواجب تعالى بالنظام

--> - فلا وجه لاختصاص هذا الاتّحاد بالإرادة والعلم . وإن كان المراد منه أنّ مفهوم الإرادة في الواجب عين مفهوم العلم فيه ، فيرد عليه أنّ مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم ولو جرّدنا الإرادة من شوائب النقص ، كما أنّ مفاهيم غيرهما من الصفات متغايرة ، كيف ولو لم يتغاير مفهوم الإرادة مع مفهوم العلم فيه تعالى للزم أن يفهم من قولنا : « اللّه عالم » ما يفهم بعينه من قولنا : « اللّه مريد » ، لكن التالي باطل - أي : لم يفهم من الجملة الأولى ما يفهم من الثانية - فالمقدّم - وهو اتّحادهما مفهوما - مثله . ( 1 ) وفي النسخ : « مشيّة » والصحيح ما أثبتناه . ( 2 ) وفي النسخ : « مشيّة » والصحيح ما أثبتناه . ( 3 ) راجع آخر الفصل العاشر من هذه المرحلة . ( 4 ) راجع آخر هذا الفصل .