السيد الطباطبائي

215

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

محرّك غيره [ 1 ] ، ولو كان المحرّك متحرّكا فله محرّك أيضا غيره ، ولا محالة تنتهي سلسلة المحرّكات إلى محرّك غير متحرّك دفعا للدور والتسلسل . وهو لبراءته من المادّة والقوّة ، وتنزّهه عن التغيّر والتبدّل ، وثباته في وجوده [ 2 ] واجب الوجود بالذات أو ينتهي إليه في سلسلة علله . برهان آخر ، أقامه الطبيعيّون أيضا من طريق النفس الإنسانيّة [ 3 ] . تقريره : أنّ النفس الإنسانيّة مجرّدة عن المادّة ذاتا ، حادثة بما هي نفس بحدوث البدن ، لامتناع التمايز بدون الأبدان ، واستحالة التناسخ - كما بيّن في محلّه [ 4 ] - . فهي ممكنة مفتقرة إلى علّة غير جسم ولا جسمانيّة ؛ أمّا عدم كونها جسما فلأنّها لو كانت جسما كان كلّ جسم ذا نفس ، وليس كذلك ؛ وأمّا عدم كونها جسمانيّة فلأنّها لو كانت جسمانيّة - سواء كانت نفسا أخرى أو صورة جسميّة أو عرضا جسمانيّا - كان تأثيرها بتوسّط الوضع ، ولا وضع للنفس مع كونها مجرّدة . على أنّ النفس لتجرّدها أقوى تجوهرا وأشرف وجودا من كلّ جسم وجسمانيّ ، ولا معنى لعلّيّة الأضعف الأخسّ للأقوى الأشرف . فالسبب الموجد للنفس أمر وراء عالم الطبيعة ، وهو الواجب تعالى بلا واسطة أو بواسطة علل مترتّبة تنتهي إليه .

--> ( 1 ) إذ المتحرّك لا يتحرّك عن نفسه . ( 2 ) وذلك لأنّ الحركة خروج الشيء من القوّة إلى الفعل ، والخروج كذلك ملازم للمادّة والتغيّر وعدم الثبات ، وإذا فرض أنّ شيئا غير متحرّك فهو بريء من المادّة والتغيّر وعدم الثبات ، بل هو بالفعل من جميع الجهات ، وهو إمّا واجب الوجود أو مجرّد ينتهي إلى واجب الوجود . ( 3 ) راجع الأسفار 6 : 44 ، والمطارحات : 402 - 403 . ووصفه صدر المتألّهين بأنّه شريف جدّا . وقال الحكيم السبزواريّ - تعليقا على الأسفار 6 : 44 - : « ويجوز جعل هذا المسلك للإلهيّ جوازا متساوي الطرفين لو لم يكن راجحا بملاحظة ابتنائه بالنحو الأوثق الأشرف على معرفة النفس المستلزمة لمعرفة الربّ ، كما قال عليه السّلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » وبملاحظة أخذ تجرّد النفس في الدليل وأنّ النفس السالكة عين المسلك ، بل بما هي مجرّدة عين المسلوك إليه ظهورا في مقام الفعل ، إذ لا آية كبرى من النفس المجرّدة بالفعل ، الكاملة علما وعملا ، والنفس بهذه الملاحظات موضوع من موضوعات الإلهيّ » . ( 4 ) راجع تعليقات صدر المتألّهين على شرح حكمة الإشراق : 476 .