السيد الطباطبائي
194
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
فإن قيل [ 1 ] : لازم ذلك أن تكون النفس الإنسانيّة لتجرّدها عاقلة لنفسها ولكلّ مجرّد مفروض [ 2 ] وهو خلاف الضرورة . قلنا [ 3 ] : هو كذلك لو كانت النفس المجرّدة مجرّدة تجرّدا تامّا ذاتا وفعلا ، لكنّها مجرّدة ذاتا ومادّية فعلا ، فهي لتجرّدها ذاتا تعقل ذاتها بالفعل ، وأمّا تعقّلها لغيرها فيتوقّف على خروجها من القوّة إلى الفعل تدريجا بحسب الاستعدادات المختلفة الّتي تكتسبها . فلو تجرّدت تجرّدا تامّا ولم يشغلها تدبير البدن حصل لها [ 4 ] جميع التعقّلات حصولا بالفعل بالعقل الإجماليّ وصارت عقلا مستفادا [ 5 ] .
--> ( 1 ) هذا الإشكال أورده بعض من عاصر الشيخ الرئيس عليه ، كما نقل في المباحث المشرقيّة 1 : 373 والأسفار 3 : 458 . ( 2 ) فكانت عالمة بجميع المعلومات ، وهو خلاف الوجدان . ( 3 ) كما أجاب عنه الشيخ الرئيس على ما في المباحث المشرقيّة 1 : 373 ، والأسفار 3 : 458 - 459 . ( 4 ) وفي النسخ : « حصلت له » والصحيح ما أثبتناه . ( 5 ) وناقش فيه صدر المتألّهين ثمّ أجاب عن الاشكال بوجه آخر : أمّا المناقشة فحاصلها : أنّ كلام الشيخ غير واف بالمقصود ، إذ يمكن أن يقال : إنّ النفس الناطقة عند الشيخ جوهر مجرّد موجود بالفعل بحسب ذاته الجوهريّة ولا يكتنفه شيء من العوارض المادّيّة . والبرهان المذكور - إن تمّ - جار في كلّ ذات مجرّدة ، فيجب أن تكون كلّ نفس - لو فرض زوال المادّة عنها ورفع شواغلها بالكلّيّة - عاقلة بجميع المعقولات دفعة واحدة بلا اكتساب ، لكن التالي باطل ، فإنّ من المعلوم أنّ نفوس الصبيان - لو فرض زوال المادّة عنها ورفع شواغلها بالكلّيّة عن ذواتهم - لا تكون عالمة بجميع المعقولات دفعة واحدة ، وإذا بطل التالي بطل المقدّم . وأمّا الجواب عن الإشكال فقال : « إنّ النفس الإنسانيّة في أوائل نشأتها ليست عقلا بالفعل ، لأنّها وإن تجرّدت عن المادّة الطبيعيّة وصورها الطبيعيّة لكنّها غير مجرّدة عن الصورة الخياليّة . ودلائل اثبات تجرّدها إنّما يدلّ على تجرّدها عن العالم الطبيعيّ . فللنفوس غير النشأة الحسّيّة نشأتان اخريان : نشأة الخيال ونشأة العقل . فكلّ نفس إنسانيّة إذا استحكم فيه إدراك الصور الخياليّة حتّى يصير خيالا بالفعل ومتخيّلا . فحينئذ يتحقّق فيه أنّ ذاته مجرّدة عن هذا العالم الحسّيّ الوضعيّ . وجميع ما فيه من ذوات الجهات والأوضاع -