السيد الطباطبائي
167
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
في النفس ، فالاتّصال بالخارج محفوظ فيها . وأمّا الجوهر ، فما ذكر - أن لا حسّ ظاهرا ولا باطنا يعرف الجوهر ويناله - حقّ لا ريب فيه ، لكن للنفس في بادئ أمرها علم حضوريّ بنفسها ، تنال به نفس وجودها الخارجيّ وتشاهده ، فتأخذ من معلومها الحضوريّ صورة ذهنيّة ، كما تأخذ سائر الصور الذهنيّة من معلومات حضوريّة على ما تقدّم ، ثمّ تحسّ بالصفات والأعراض القائمة بالنفس وتشاهد حاجتها بالذات إلى النفس الموضوعة لها وقيام النفس بذاتها من غير حاجة إلى شيء تقوم به ، ثمّ تجد صفات عرضيّة تهجم عليها وتطرؤها من خارج فتنفعل عنها ، وهي ترى أنّها أمثال الأعراض المعلولة للنفس القائمة بها ، وحكم الأمثال واحد ، فتحكم بأنّ لها موضوعا هي قائمة به ، كما أنّ النفس موضوعة لصفاتها العرضيّة ، فيتحصّل بذلك مفهوم الجوهر ، وهو أنّه ماهيّة إذا وجدت وجدت لا في موضوع . الثالث : أنّه تبيّن بما تقدّم أنّ الوجود ينقسم من حيث التجرّد عن المادّة وعدمه إلى ثلاثة عوالم كلّيّة : أحدها : عالم المادّة والقوّة [ 1 ] . وثانيها : عالم التجرّد عن المادّة دون آثارها من الشكل والمقدار والوضع وغيرها ، ففيه الصور الجسمانيّة وأعراضها وهيآتها الكماليّة من غير مادّة تحمل القوّة ، ويسمّى : « عالم المثال » [ 2 ] و « عالم البرزخ » [ 3 ] ، لتوسّطه بين عالمي المادّة
--> ( 1 ) وهو عالم الأجسام والجسمانيّات الصرفة المختلطة بالمادّة والصورة . ويسمّى أيضا : « عالم الناسوت » . ( 2 ) والوجه في تسميته بعالم المثال أنّه مثال لما فوقه من عالم المجرّدات ، حيث كان مجرّدا عن المادّة ، ومثال لما دونه في كونه صورة لعالم الأجسام . ( 3 ) أي : البرزخ بين عالم العقل وعالم المادّة ، فإنّه لا يكون في التجرّد بمرتبة عالم العقل ، كما لا يكون في التجسّم بمرتبة عالم المادّة ، بل هو بالنسبة إلى عالم الأجسام مجرّد وبالنسبة إلى عالم العقل غير مجرّد ، فهو برزخ بينهما ، وقد يعبّر عنه ب « عالم الملكوت » .