السيد الطباطبائي

157

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

أيّ تغيير ، ولو كان مقيّدا بالزمان لتغيّر بتغيّره [ 1 ] . فقد تحصّل بما تقدّم أنّ الصورة العلميّة - كيفما كانت - مجرّدة من المادّة خالية عن القوّة . وإذ كانت كذلك فهي أقوى وجودا من المعلوم المادّيّ الّذي يقع عليه الحسّ وينتهي إليه التخيّل والتعقّل ، ولها آثار وجودها المجرّد . وأمّا آثار وجودها الخارجيّ المادّيّ الّذي نحسبه متعلّقا للإدراك [ 2 ] فليست آثارا للمعلوم بالحقيقة الّذي يحضر عند المدرك حتّى تترتّب عليه أو لا تترتّب ، وإنّما هو الوهم يوهم للمدرك أنّ الحاضر عنده حال الإدراك هو الصورة المتعلّقة بالمادّة خارجا ، فيطلب آثارها الخارجيّة ، فلا يجدها معها ، فيحكم بأنّ المعلوم هو الماهيّة بدون ترتّب الآثار الخارجيّة . فالمعلوم - عند العلم الحصوليّ بأمر له نوع تعلّق بالمادّة - هو موجود مجرّد ، هو مبدأ فاعليّ لذلك الأمر [ 3 ] ، واجد لما هو كماله ، يحضر بوجوده الخارجيّ للمدرك ، وهو علم حضوريّ ، ويتعقّبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهيّة والآثار المترتّبة عليه في الخارج [ 4 ] . وبتعبير آخر : العلم الحصوليّ اعتبار عقليّ يضطرّ إليه العقل ، مأخوذ من معلوم حضوريّ هو موجود مجرّد مثاليّ أو عقليّ ،

--> ( 1 ) كما أنّه لو كان الجزء العصبيّ مكانا له لتغيّر بتغيّره بعد انقضاء سنين متمادية . وجذب موادّ غذائيّة ربما يوجب تغيّر الجزء العصبيّ بجميع ذرّاته . ( 2 ) وفي النسخ : « التي نحسبها متعلّقة للإدراك » والصحيح ما أثبتناه . ( 3 ) وفيه : أنّه لا مبدأ فاعليّا للأمور بحقيقة معنى الكلمة إلّا الواجب تعالى . مضافا إلى أنّ مجرّد كون الشيء موجودا مجرّدا لا يكفي دليلا على كونه مبدأ فاعليّا ومؤثّرا حقيقيّا في غيره ، ولو كان أقوى وجودا من غيره ، فإنّ الكيفيّات النفسانيّة الحاصلة للنفس مجرّدة وليست مبدأ فاعليّا لشيء . ( 4 ) ولا يخفى أنّ كلامه هذا ينقض بما ذكره تعليقا على الأسفار 6 : 424 حيث قال - تعليقا على قول صدر المتألّهين : « بل حقيقة الابصار عندنا هي إنشاء النفس . . . » - : « ما ذكره رحمه اللّه في الابصار يجري في مدركات سائر الحواسّ ، كالمشمومات والمذوقات والملموسات ، وهي جميعا مدركة في الحسّ المشترك ، كما سيأتي في علم النفس . ومدركات هذه القوّة من سنخ واحد ، وليس بإدراك حضوريّ ، بل علم حصوليّ » .