السيد الطباطبائي

115

بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )

على نفسه بالوجود 1 ، لتقدّم وجود العلّة على وجود المعلول بالضرورة . وأمّا استحالة التسلسل - وهو ترتّب العلل لا إلى نهاية 2 - ، فمن أسدّ البراهين عليها ما أقامه الشيخ في إلهيّات الشفاء 3 ؛ ومحصّله : أنّا إذا فرضنا معلولا وعلّته وعلّة علّته وأخذنا هذه الجملة ، وجدنا كلّا من الثلاثة ذا حكم ضروريّ يختصّ به ، فالمعلول المفروض معلول فقط ، وعلّته علّة لما بعدها معلولة لما قبلها ، وعلّة العلّة علّة فقط غير معلولة ، فكان ما هو معلول فقط طرفا وما هو علّة فقط طرفا آخر ، وكان ما هو علّة ومعلول معا وسطا بين طرفين ؛ ثمّ إذا فرضنا الجملة أربعة مترتبة ، كان للطرفين ما تقدّم من حكم الطرفين ، وكان الاثنان الواقعان بين الطرفين مشتركين في حكم الوسط - وهو أنّ لهما العلّيّة والمعلوليّة معا بالتوسّط بين طرفين - ثمّ كلّما زدنا في عدد الجملة إلى ما لا نهاية له كان الأمر جاريا على مجرى واحد ، وكان مجموع ما بين الطرفين - وهي العدّة التي كلّ واحد من آحادها علّة ومعلول معا - وسطا له حكمه . فلو فرضنا سلسلة من العلل مترتّبة إلى غير النهاية ، كان ما وراء المعلول الأخير من الجملة غير المتناهية وسطا لا طرف له ، وهو محال . وهذا البرهان يجري في كلّ سلسلة مترتّبة من العلل التي لا تفارق وجودها وجود المعلول ، سواء كانت تامّة أو ناقصة ، دون العلل المعدّة . ويدلّ على وجوب تناهي العلل التامّة خاصّة ما تقدّم أنّ وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى علّته 4 ، فإنّه لو ترتّبت العلّيّة والمعلوليّة في سلسلة غير متناهية من غير أن تنتهي إلى علّة غير معلولة ، كانت وجودات رابطة متحقّقة من

--> ( 1 ) وتقدّم الشيء على نفسه مستلزم لتخلّل العدم بين الشيء ونفسه ، وهو ضروريّ الاستحالة . ( 2 ) أي ترتّب شيء موجود على شيء آخر موجود معه بالفعل ، وترتّب الثاني على ثالث كذلك ، والثالث على رابع ، وهكذا إلى غير النهاية . ( 3 ) وهذا البرهان معروف ببرهان الوسط والطرف . راجع الفصل الأوّل من المقالة الثامنة من إلهيّات الشفاء . ( 4 ) راجع الفصل الثالث من هذه المرحلة .