السيد محمد الصدر

65

منة المنان في الدفاع عن القرآن

الثاني : أن نلاحظ أنَّ هذه الأوصاف الثلاثة ( خنّس ، جوار ، كنّس ) إمّا أنَّها أوصافٍ لشيءٍ واحدٍ أو أنَّها أوصاف لأُمور متعدّدة ، كأن يكون كلّ وصف وصفاً لشيءٍ غير ما يُراد من الوصف الآخر . . . وهكذا . وقد يُقال : بأنَّ هذه الأوصاف وصفٌ لشيءٍ واحدٍ ، ويعضده أمران : الأوّل : أنَّ هذا الفهم مطابقٌ لفهم المشهور . الثاني : أنَّ هذه الصفات وردت متضايفةً بمعنى من المعاني ، وبالمعنى الأُصولي مقيّدةً بعضها ببعض ، فيتكوّن من مجموعها مفهومٌ وحداني هو الذات المتّصفة بكلّ هذه الصفات ، فيتعيّن من حيث هذا الظهور كونها وصفاً لشيءٍ واحدٍ أو لحصّة واحدةٍ ، ولعلّ ذلك هو منشأ إرجاع المشهور هذه الصفات إلى موصوفٍ واحدٍ . هذا . ولكن يمكن استظهار رجوعها إلى الكلّي في نفسه ، لا إلى حصّةٍ واحدةٍ ، بل إلى كلّ ما يتّصف بهذا الوصف ، نظير استظهاره من قوله تعالى : وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ « 1 » أي : مطلق الليالي العشر ومطلق الشفع والوتر . وحينئذٍ يتّضح أنَّ هذه الأوصاف غير مقيّدة بعضها ببعض ، بل لو كانت مقيّدة فهي تدلّ على الكلّي ، ولا تختصّ بالكواكب كما قال المشهور . ويمكن ذكر نموذجٍ قابلٍ للانطباق على ما تقدّم نحو : أنَّ الإنسان المؤمن الصالح المطيع لمولاه يكون من الخنّس ، بمعنى : أنَّه يحاول الابتعاد عن عالم الفساد والرذيلة أو يحاول إخفاء معارفه وأسراره . كما أنَّ صفة الجوار تنطبق على المؤمن ؛ لأنَّها إمّا من الجري ، والمؤمن يجري في طريق التكامل وفي رحمة الله ، أو من الجيران ، والمؤمن جار

--> ( 1 ) سورة الفجر ، الآيتان : 2 - 3 .