السيد محمد الصدر

88

منة المنان في الدفاع عن القرآن

الحافظين لها ، فالملك يسجّل أعمالي واحدةً بعد الأُخرى ، فحينما تكتمل تنطبع في نفسه ، ثُمَّ تصير فتنطبع في نفسه ، ثُمَّ تصير فتنطبع في نفسه ، فتتكرّر الأعمال أو الكلام أو النظر أو أيّ شيء ممّا نعمله ينطبع في نفس الملك ، فكأنَّه يكتب في كتابٍ ، فيأتي الملك في يوم القيامة - أي : الملك الذي عاشرني في الدنيا ولم أكن أعلم بوجوده مثلًا - فأرى ما في نفسه من منطبعات الأعمال ليشهد بها في يوم القيامة . لا يُقال : هذا لا يرتبط بما نحن فيه ، بل إنَّما هو مرتبطٌ بالآية ؛ لأنَّه يقول : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فأُوتي مبني للمجهول ، وكلّ فعلٍ له فاعلٌ ، فمَن هو فاعل المجهول ؟ أي : مَن هو الذي أتاه بيمينه ؟ قد تقول : الله سبحانه وتعالى . وحينئذٍ يوجد هناك في الآية انطباعٌ بالجبر ، كأنَّه يُؤتى كتابه ، أي : يُؤتى أعماله في الدنيا ، بمعنى : يُؤتى أعمال كلّ واحدٍ من الحسنة والسيّئة ، فيكون هناك انطباعٌ بالجبر في الآية . وعلى كلّ حالٍ فهذا مجرّد احتمالٍ ذكرته في المقام . ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ : الأوّل : أنَّ هذا الإيتاء - كما قلنا - إيتاءٌ إثباتي ، وهو الإعلام والتذكير بالأعمال . والكتاب معنى إثباتي ، أي : هو صورةٌ لما عملت ، وليس هو عين ما عملت . وأمّا أن أحمل الكتاب على نفس الأعمال التي نعملها عيناً فهذا على خلاف ظاهر الآية ، مع أنَّ ظاهر الآية ليس كذلك ، وإنَّما التعريف بها والدلالة عليها لا أكثر ، إذن فليس في المقام جبرٌ . الثاني : أنَّ فاعل ( أُوتي ) محذوفٌ طبعاً ، فإذا كان المؤتي هو الله وتنزّلنا عن الجواب الأوّل ، لزم الجبر . لكن هذا لا يتعيّن ، وإنَّما يمكن تأويل ذلك ، فنقول :