السيد محمد الصدر

71

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وهناك شيءٌ آخر مرتبطٌ بالآية الكريمة وهو وجيهٌ ولطيفٌ في نفسه ، وهو : ما هو ظرف الكدح في الآية المباركة يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ؟ فهل له عدّة عوالم وظروفٍ كما عبّرت الآية ، أي : عالم الذرّ وعالم الدنيا وعالم البرزخ وعالم يوم القيامة وعالم الثواب وعالم العقاب ، فأي شيءٍ هنا يكون ظرف الكدح ؟ وجوابه واضحٌ جدّاً ، وهو مشهورٌ « 1 » ، وأنا أُوافق على هذا المشهور ، وذلك أنَّ ظرفه في الدنيا ، ولم يحتمل أحدٌ أن يكون ظرفه في الآخرة ، وسواء كان الهدف في الكدح دنيويّاً أم أُخرويّاً ، أو كان تكاملًا عالياً أم كان تكاملًا سافلًا ، فإنَّما هو في الدنيا ، فسمّي التكامل العالي آخره ، ولكن في ظرفه الدنيا . ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ الكدح في الآخرة لا محصّل له وأنَّه خلاف الارتكاز المتشرّعي ؛ لأنَّه في الآخرة حسابٌ ولا عمل « 2 » ، فإذن العمل والكدح لأجل تحصيل الثواب ، أو نقول بمعنىً من المعاني : إنَّ تحصيل العقاب غير موجودٍ هناك ، إلّا من زاويةٍ واحدةٍ محتملةٍ بالآخرة لو كان هذا مقصوده ، ولا أعتقد بأنَّ هذا الذي يروى من أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما يرى عبده المؤمن لديه محرّمات ( والعياذ بالله ) فإنَّه يشدّد عليه النكير في الدنيا حتّى يغفر له ، فإن بقيت منه بقيّة يشدّد عليه النكير في حال الاحتضار أو النزع ، فإن بقيت منه

--> ( 1 ) أُنظر : الجامع لأحكام القرآن 271 : 20 ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 288 : 15 ، مفاتيح الغيب 97 : 31 - 98 ، وغيرها . ( 2 ) راجع الكافي 58 : 8 ، خطبةٌ لأمير المؤمنين ( ع ) ، الأمالي ( للطوسي ) : 117 ، المجلس 4 ، الحديث 37 ، الأمالي ( للمفيد ) : 92 ، المجلس 11 ، الحديث 1 ، غرر الحكم : 148 ، الحديث 2695 ، نهج البلاغة : 83 ، الخطبة 42 ، وغيرها .