السيد محمد الصدر

43

منة المنان في الدفاع عن القرآن

( ألقت ) تدلّ على العمد ، كما في قول الشاعر : وألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عيناً بالإياب المسافر « 1 » ولا يصدق الإلقاء من دون ذلك ( ألقاها ) ، أي : قذفها عمداً . فإن قلت : إنَّ اللغة كلّها تعبّر بالأفعال الاختياريّة عن النتائج القهريّة ، فنقول مثلًا : أحرقت النار ، وأغرق البحر ، وسقى المطر ، مع أنَّه ليس هو الفاعل حقيقةً ، بل الفاعل غيره ، فالنار لم تحرق عمداً ، وإنَّما زيدٌ أحرق الورقة في النار ، وليس النار ، وزيدٌ هو الذي أغرق خالداً عمداً في البحر ، وليس البحر أغرقه . والشاهد هنا هو أنَّه إذا كانت الأفعال الاختياريّة تنسب إلى الأسباب القهريّة ، فليكن ( ألقت ) منها ، أي : من قبيل : ( أحرقت ) ، وهو فعلٌ اختياري بطبعه ، وإن يُنسب إلى الفاعل القهري . قلنا : تلك نسبةٌ مجازيّةٌ ، أي : إنَّ ( أحرقت ) مجازٌ ، والأصل في الحمل هو الحمل على الحقيقة ، فحينئذٍ يدور أمرنا بين أن نقول : إنَّ الأرض هنا ألقت قهراً فيكون مجازاً ، وبين أن نقول : إنَّها ألقت عمداً واختياراً ، فيكون حقيقةً ، فنحمله على الحقيقة الذي هو الاختيار . فإن قلت - دفاعاً عن المشهور - : إنَّ هناك قرينةً على المجاز ، وهي نسبتها إلى الأرض ( وألقت الأرض ) ، وهي من العلل والمعلولات القهريّة غير الاختياريّة ، فلمّا كان الفاعل قهريّاً غير اختياري يتعيّن أن يكون فعله

--> ( 1 ) البيت لمعقل بن حمّار البارقي يصف امرأةً كانت لا تستقرّ على زوجٍ ، كلّما تزوّجت رجلًا فارقته واستبدلت آخر به ، ثُمَّ تزوّجها رجلٌ فرضيت به ، حسبما ذكره في الأغاني 109 : 11 و 85 : 15 .