السيد محمد الصدر
42
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وليس مجرّداً ؛ فإنَّ تخلّت من المزيد ، وعليه فلم ينفعنا الراغب في هذا المجال ، وكأنَّه لم يشرح الآية إطلاقاً . وظاهر الآية : أنَّ التخلي كان مترتّباً على الإلقاء حينما يقول : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ « 1 » ، أي : تخلّت بصفتها ملقيةً أو في طول الإلقاء ، أو متأخّرةً رتبةً عن الإلقاء ، ما شئت فعبّر ، أو متأخرةً زماناً عن الإلقاء ، وهذا أيضاً ضروري ، كما كانت الطوليّة مفهومةً من الآية السابقة : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ « 2 » ، أي : حقّت في المرتبة المتأخّرة عن الإذن ، وليس في المرتبة المتقدّمة عليه . والتخلّي هنا مرتبطٌ بتخلّى ، وهذا إمّا أن يكون عمديّاً أو غير عمدي . فالعمدي نحو : تخليّت عن عملي ، أو تخليّت عن فلانٍ ، أو تخلّى فلانٌ عنّي ، وهذا موجودٌ لا إشكال عليه . لكن الإشكال هنا أنَّ ذلك لا ينطبق على الآية ؛ لعدم تصوّر العمد بالنسبة إلى الأرض ؛ فإنَّ المشهور يميل إلى فهم الأرض المادّيّة « 3 » ، ومن هنا لا يحتمل فيها العمد ، أي : التخلّي العمدي ؛ لأنَّه لا معنى له . وعلى كلّ تقديرٍ فالفهم هنا يرقى إلى عدّة أُطروحاتٍ : الأُطروحة الأُولى - وهي الأقرب إلى فهم المشهور - : أنَّها أصبحت فارغةً وألقت ما فيها وتخلّت ، أي : خليت وفرغت ؛ وذلك أنَّها ألقت ما فيها . وليت شعري فإنَّ ( تخلّت ) إن كانت لا تدلّ على العمد ، فلا شكّ أنَّ
--> ( 1 ) سورة الانشقاق ، الآية : 4 . ( 2 ) سورة الانشقاق ، الآية : 2 . ( 3 ) أُنظر : جامع البيان في تفسير القرآن 73 : 30 ، تفسير سورة الانشقاق ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 287 : 15 ، تفسير سورة الانشقاق ، وغيرهما .