السيد محمد الصدر

37

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ونحوه الكلام في قوله تعالى : أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا « 1 » ؛ إذ لا يعني ذلك أنَّه أمرنا مترفيها بالفسق ، وإنَّما أمرنا مترفيها بالطاعة ، فعصوا وفسقوا . الأُطروحة الثانية : أنَّها أمرت بالطاعة فأطاعت ، وطاعتها حقٌّ ، وهذا ليس نتيجة أنَّ طاعتها حقٌّ ، كما في الوجه الأوّل ، وإنَّما نفس الطاعة هي حقٌّ ، ولها درجةٌ من المراتب العرفانيّة ؛ لأنَّها مرتبطةٌ بالحقّ تعالى ، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً ، فيُراد من ( حقّت ) أنَّها أطاعت وأذنت لربّها فأطاعت . الأُطروحة الثالثة : أنَّها أمرت ، وهذا بلحاظ الجهة الأُخرى التي ذكرناها في الأُطروحات السابقة من أنَّها آمرةٌ لا مأمورةٌ ، وأنَّها أمرت عبدها بالطاعة ، أو أمرت من هو أدنى منها بالطاعة ، أي : بطاعة الله تعالى . وهذا صادقٌ بطبيعة الحال ، خاصّة إذا أردنا الجانب المعنوي ؛ من جهة أنَّ المعصومين ( عليهم السلام ) هم سماء الكون ويأمرون البشر وغير البشر بطاعة الله تعالى ، أو العقل يأمر النفس بطاعة الله سبحانه ، فحين أطاعها رأى أنَّها حقٌّ ؛ إذ أمرت وليّها ، أي : عبدها بالطاعة ، وأذنت لربّها ، أي : لعبدها أو وليّها بهذا المعنى وحقّت ، لا أنَّ وليّها حقٌّ نتيجةً لطاعتها ، وإنَّما هي حقّت . فلا يمكن أن نقول : إنَّ نفس طاعة الولي هي حقٌّ ، وإلّا نسب الحقّ إلى الولي ، وقد نسب هنا إلى السماء لا إلى الولي والآمر أو المأمور . فحينئذٍ ينتج أنَّه حين أطاعها رأى أنَّها حقٌّ ، وليست باطلًا ، وبعد الطاعة تغيّرت نظرته إليها ، فكلّ مستوىً من المستويات له نظرةٌ خاصّةٌ ، فهذا تغيّرت نظرته إلى السماء ، فبعد أن كان متوهّماً شيئاً أصبح يفهم شيئاً آخر ، أو أنَّه أصبح ينظر إلى طاعتها بمنظارٍ جديدٍ كان يرى أنَّها هي الآمرة حقيقةً ، ثُمَّ فهم أنَّ أمرها مبلّغٌ من قبل الله تعالى .

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 16 .