السيد محمد الصدر

371

منة المنان في الدفاع عن القرآن

الاستقصاء « 1 » ، أي : استقصاء جميع الأعمال : صغيرها وكبيرها . ولعلّ السيّد الطباطبائي أراد من الاستقصاء أنَّ الله تعالى استقصى جميع الأعمال ، فالمراد من الاستقصاء هو استقصاء الله للأعمال . أقول : إنَّ استقصاء الله للأعمال ممّا لا كلام فيه ، إلّا أنَّ ذلك ليس المراد من الآية الشريفة . فإن كان المراد الاستقصاء فهو استقصاء العلم الذي في النفس عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ، أي : المراد استقصاء علم النفس بأفعالها وليس استقصاء الله لأفعال النفس ؛ فذاك باب آخر ، ولكن هذا أيضاً ليس مراداً للآية . ولعلّ هذا مراد السيّد الطباطبائي ؛ لأنَّه أشار إلى الاستقصاء فقط ، ولم يحدّد ويذكر من هو المستقصي : هل هو الله أم النفس ؟ الرابع : أنَّ ما قدّمت إشارة إلى الحسنات ؛ لأنَّها تقدّم الإنسان نحو الكمال ، وما أخّرت تعبيرٌ عن السيئات ؛ لأنَّها توجب تأخير الإنسان عن الكمال والهدى والحقّ . الخامس : أنَّ ما قدّمه هو ما فعله ، وما أخّره ما فكّر فيه ولم يفعله ، وهو معنى معقول . السادس : أنَّ ( ما قدّمت ) أي : ما شعر الفرد بأهمّيّته من العمل ، وهذا ملحوظٌ على مستوى الاصطلاح ؛ إذ يُقال : قدّم أعمالي أمام الله ويُقال : أنت لا تقدّم حسناتك أمام الله ، وإنَّما قدّم سيئاتك أمام الله كي تفوز وإلَّا ستوكل إلى حسناتك ، فتُعطى اليسير جدّاً وتُحرم من الثواب الجزيل . وهذا الوجه يقول : إنَّ ما قدّمت أي : ما شعر الفرد بأهمّيّته من عمله ، فقدّمه أمام الله ، أو ما شعر بأهمّيّته ، فقدّمه أمام الناس ، والمراد من ( وأخّرت ) أي : ما احتقره من عمله ولم

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 223 : 20 ، تفسير سورة الانفطار .