السيد محمد الصدر
359
منة المنان في الدفاع عن القرآن
والعدل الإلهي لا يتوقّف عليه لنقول : إنَّه لابدّ لله من حفظ عدله بحفظ الأجزاء الأصليّة ؛ لأنَّه لا حاجة إلى ذلك كما سيظهر ، بالإضافة إلى عدم الدليل من الكتاب والسنّة على ذلك ، وإنَّما هي أُطروحة طرحها المشهور لدفع الاحتمال المقابل أو بتعبير آخر للحفاظ على عدل الله تعالى . وربما يُقال : إنَّنا نُسلّم بالأصل الأساسي الذي انطلقت منه الشبهة ، وهو المعاد الجسماني ، ويدلّ على ذلك أمران : الأوّل : الإجماع . الثاني : ظهور إطلاقات بعض الآيات من قبيل قوله تعالى : بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ « 1 » ، أي : نفعل بنانه بالخلقة الولاديّة في الدنيا ، و ( نسوّي ) يُراد بها التسوية والفعل ثانياً في يوم القيامة . ولابدّ أن نلتفت إلى أنَّ المشهور يفهم من ( قادرين ) الفعليّة والعلّيّة حتّى يتعيّن المعاد الجسماني في يوم القيامة ، علماً أنَّه لا يدلّ على الفعليّة . نعم ، الاقتضاء موجود . وقد ظهر أنَّ القدرة على تسوية البنان ليست نصّاً في العليّة ، بل لعلّها إلى الاقتضاء أقرب ، أي : نحن قادرون على ذلك ، أمّا إنَّه قد لا يتعيّن . مضافاً إلى لحاظ معانٍ أُخر للآية منها : أنَّ معنى ( نسوّي بنانه ) بمعنى : تعديل أصابعه حتّى تصير كلّها بمستوىً واحدٍ من الطول ، وهذا هو الأرجح ، كما تساعد عليه اللغة ؛ إذ لا يوجد ( نسوّي ) بمعنى : نعمل أو ننتج ، وإنَّما ( نسوّيه ) بمعنى : أن نعملها مسطحة على مستوى واحد ، وبتعبيرٍ آخر : نجعلها على رؤوسها على مقدارٍ واحدٍ . فتحصّل أنَّ معنى الآية : أنَّنا قادرون
--> ( 1 ) سورة القيامة ، الآية : 4 .