السيد محمد الصدر

355

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ويُلاحظ عليه : أنَّ ما ذكر موافقٌ مع ذوق وفهم المشهور ، وهو وجيهٌ ، إلّا أنَّه يصلح أن يكون جهة من المعنى القرآني لا كلّ المقصود منه ؛ لأنَّ القرآن على مستويات من الفهم غير متناهية . ثُمَّ إنَّنا قد أعطينا أُطروحات عديدة للآيات السابقة ، مضافاً إلى إشكال سبق أن ذكرناه ، وهو أنَّ البعث إن كان على وجه الأرض كما فهم المشهور من ظاهر القرآن الكريم فسوف تضيق الأرض جدّاً عن تحمّل الناس ، ولعلّ ذلك مستحيل . فإن قيل : إنَّهم يجتمعون ، ويُحفظ اجتماعهم بالمعجزة . قلنا : هذا ممكن ، إلّا أنَّنا إذا أدخلنا المعجزة في الكلام أمكن لها أن تعمل كلّ شيء من قبيل توسيع الأرض أو تبديل مكان الحشر إلى مكان آخر ، كما هو المستفاد من سياق قول مولانا رسول الله ( ص ) : ) لتبعثنّ كما تستيقظون ( « 1 » ، أي : إنَّكم تستيقظون في عالم آخر ، وهو العالم المناسب لكم . وقد يقرّر إشكالٌ آخر على ما قيل من الحشر على وجه الأرض ببيان أنَّ المعجزة التي يمكن أن يتصوّرها المشهور في اجتماع الناس مع عددهم الهائل لا يمكن أن تعمل المستحيل ؛ وذلك أن الله لا يدخل الأرض في بيضة ؛ لأنَّ هذا مستحيلٌ ، وإن كان منشأ الاستحالة النقص في قابليّة القابل ، لا النقص في فاعليّة الفاعل ( والعياذ بالله ) . أي : إنَّ هذه الأشياء ذاتاً غير قابلة لذلك ، فإذن من جملة المستحيلات تداخل الأجسام - وإن لم يكن في الحقيقة بجسمٍ على خلاف حاله الظاهر الطبيعي - والمشهور يلتزم بذلك فلسفيّاً ، أعني : أنَّ

--> ( 1 ) المناقب 46 : 1 ، فصل في مبعث النبي ( ص ) ، روضة الواعظين 53 : 1 ، باب الكلام في مبعث نبيّنا محمّد ( ص ) ، وبحار الأنوار 47 : 7 ، كتاب العدل والمعاد ، أبواب المعاد ، الباب 3 ، الحديث 31 .