السيد محمد الصدر

353

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قوله تعالى : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ : ولفهم الآية أُطروحات أقرب إلى الفهم الباطني ، وأساسها أنَّ كل شيء بمنزلة المدفون فيه ، فإذا جاء وقت خروجه وظهوره فكأنَّه قد خرج من قبره . ولمجرّد التقريب للأذهان نضرب مثالًا على ذلك : يُلاحظ أنَّه في الأجيال السابقة كانوا يحفظون الثياب في صندوقٍ ، فإذا كانوا بحاجةٍ إليها فتحوا الصندوق وأخرجوا الثياب ، فالصندوق بمنزلة القبر لهذه الثياب . وهذا يحصل كثيراً في الدنيا لا في الآخرة ، كما يتّفق على المدى اللامتناهي . ومن مصاديق هذا المعنى ما يلي : أوّلًا : قابليّات الطفل الكامنة والمدفونة حتّى يحين وقتها بالبلوغ والرشد . ثانياً : الطاقات والقابليّات الكامنة في الفرد ، كالشجاعة والشعر أو الصناعات اليدوية التي لم يكن يعرفها قبل تفجّرها فيه في سنّ متأخّرٍ من عمره مثلًا . ثالثاً : استخراج المعادن ، كالنفط والذهب وغيرها من الأحجار الكريمة أو أيّ شيءٍ آخر . رابعاً : الاستخراج من البحر بالغوص ، سواء الموجود فيه أصلًا ، كاللؤلؤ أو الساقط فيه ، كالسفن الغارقة ونحو ذلك ، فكأنَّ السفينة دُفنت في البحر عندما غرقت ، فيأتي يوم تُستخرج من قبرها ويُستفاد منها . خامساً : الوصول إلى مدارج الكمال العليا بعد أن كانت مدفونةً في حجب الظلمة وغياهب الشهوات والبلاء ، ومعه يصدق مضمون الآية وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ على انتقال كلّ شيء من القابليّة إلى الفعليّة ، وتكون البعثرة