السيد محمد الصدر

320

منة المنان في الدفاع عن القرآن

إذا عجنته فخبزته من وقته « 1 » . وهذا الاستعمال مشهورٌ لدى الناس إلى وقتنا الحاضر ؛ لأنَّهم يصفون العجين غير المختمر بالفطير ، وهو فعيل بمعنى اسم الفاعل أو الصفة المشبهة باسم الفاعل ، أي : متّصف بالفطر . وحال الفطير يختلف عن حال المختمر حتّى في الرائحة واللون ، وإنَّما يحتاج في اختمار العجين إلى مدّةٍ ، فإذا خبزته من وقته كما يعبّر الراغب فقد فطرته أي : استعملته وهو فطير . ويسمّى الناتج منه باللغة الحديثة فطيرة ، وهو الخبر والكعك المصنوع من عجينٍ غير مختمر ، ثُمَّ توسّعوا في تسمية سائر المعجّنات منه . ولعلّ العجين يتغيّر حاله ويفسد إذا اختمر ، والاختمار نحوٌ من الفساد والبكتريا ، كما لا يخفى ، وهو - أي : الاختمار - أقلّ الفساد إلى أن يتعفّن . وقد يكون النظر العرفي على خلاف ذلك ؛ حيث إنَّهم يسمّونه فطيراً قبل تغيّر حاله ، ولعلّ ذلك ناشئٌ من كونهم يستلذّون ما كان مختمراً منه ، فيعدّون ما كان فطيراً متغيّراً وفاسداً ؛ لأنَّه غير طيب الطعم . والحاصل : أنَّ المادة إن رجعت إلى أصلٍ واحدٍ فالوضع واحدٌ ، وأمّا إذا كانت متعدّدةً فالوضع لابدّ أن يُفرض متعدّداً ؛ لأنَّ كلّ مادّةٍ وضعت لمعنى ، ولعلّ هناك قرينةً على تعدّد المادّة في فطر ببيانين : الأوّل : أنَّ المصدر متغايرٌ ؛ فهناك فَطر وهناك فِطر ، وتعدّد المصدر دليلٌ على تعدّد المادّة ، ومن ناحية أُخرى هناك ثلاثي فَطَر وهناك الرباعي أو المزيد ، إمّا بإضافة همزة وهو أفطر أو بالتضعيف الذي هو فَطَّر .

--> ( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 396 ، مادّة ( فطر ) .