السيد محمد الصدر

254

منة المنان في الدفاع عن القرآن

فليسوا في جنّةٍ ، وإنَّما لهم لذائذ عقليّةٌ وروحيّةٌ ونفسيّةٌ خاصّةٌ بهم في عالم التجرّد والفناء . ولذا قلنا مراراً : إنَّ جنان المقرّبين تختلف سنخاً عن جنان أصحاب اليمين ، و ( علّيّين ) تمثّل المرتبة العليا من سنخ جنان أصحاب اليمين . فإن قلت : قد يُلاحظ أنَّ الآية في سورة الواقعة ذكرت المقرّبين أنَّهم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ « 1 » فكيف تقولون : إنَّهم ليسوا في الجنّة ؟ قلنا : هذه الجنّات عنوانٌ مجازاً ؛ لأنَّ مستواهم لا يناسب أيّ جنّةٍ ، وإنَّما المراد نتيجة الحصول في الجنان ، وهو اللذّة والبهجة الحاصلة لهم . فإن قلت : فإنَّه يقول بعد ذلك في سورة المطفّفين عن الأبرار : يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ « 2 » فكيف يتنافس المتنافسون في درجةٍ متدنيّةٍ من الجنّة ؟ قلنا : هي ليست درجةً متدنّيةً من الجنّة ، بل هي عاليةٌ جدّاً ، بل أعلى درجاتها ، وهذا لا ينافي كون المقرّبين أعلى من ذلك ؛ لأنَّ الأبرار لا يتّصفون بالقرب الإلهي بل يكونوا في الجنّة فقط . وأمّا التنافس فيؤمر به مَن هو دونهم لا محالة ، سواء كانوا كفّاراً أم فسّاقاً أم من أهل الإيمان ؛ لكي يصلوا إلى تلك الدرجة ، وكلّ من يصل إليها يكون مستحقّاً للوصول إلى ما فوقها . فإن قلت : فإنَّه يقول بعد ذلك مباشرةً : وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ « 3 » إذن فالمقربون يشربون من العين التي يشرب بها الأبرار ، ومهما

--> ( 1 ) سورة الواقعة ، الآية : 10 . ( 2 ) سورة المطفّفين ، الآيتان : 25 - 26 . ( 3 ) سورة المطفّفين ، الآيتان : 27 - 28 .