السيد محمد الصدر

240

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وهذا أقرب في العربيّة ؛ إذ كان هذا الجمع يُختصّ بالناطقين ( لأنَّه جمع مذكّرٍ سالمٍ ) . قال : والواحد علّيٌّ نحو بِطّيخ ، ومعناه أنَّ الأبرار في جملة هؤلاء ، فيكون ذلك كقوله : فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ « 1 » ، وباعتبار العلوّ قيل للمكان المشرف وللشرف : العلياء ، والعُلّيّة تصغير عالية ، فصار في التعارف اسماً للغرفة « 2 » . ومن الطريف أنَّ مشهور المفسّرين يقارن بين علّيّين وسجّين ، كما تقدّم عن الراغب ، مع أنَّه لا نسبة بينهما ، وإنَّما تقارب لفظاهما على سبيل الصدفة . ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ علّيّين بيائين بحيث أمكن أن تكون جمعاً مذكّراً سالماً ، وسجّيناً بياءٍ واحدةٍ ، فلا يُحتمل فيها ذلك . فإذا كان ولابدّ فسجّينٌ للمكان وعلّيّين لساكني المكان . ولا يُستبعد أن يكون اسماً للساكنين ؛ فإنَّ بعض الألفاظ هي للساكنين في اللغة ، ونحن نستعملها للمكان ، كالهند والصين واليابان واليونان ؛ فإنَّها بتقدير بلاد الهند وبلاد الصين وهكذا ، ويُراد بالهند والصين الشعب نفسه أو الساكنين في المكان على وجه الحقيقة . وعلى أيّ حالٍ يمكن أن يُطلق على المكان اسم الساكن فيه مجازاً ، ثُمَّ يصبح بكثرة الاستعمال حقيقةً . وقولهم عن علّيّين : ( إنَّها أشرف الجنان ) أمرٌ لطيفٌ ؛ لأنَّنا نفهم من مادّة العلوّ فيه العلوّ المطلق لا مطلق العلوّ ، فيكون المراد أعلى الجنان والوجود في عالم المجرّدات ، بل مطلقاً ، فكلّما كان أعلى كان أشرف ، فتكون أعلى الجنان أشرفها .

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 69 . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 358 ، مادّة ( علا ) .