السيد محمد الصدر
205
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ليست هكذا ، فالمرقوم شيءٌ زائدٌ ، وهذا الزائد فيه أحد وجوهٍ ، لا أقلّ من اثنين : أوّلًا : إمّا أن نقول بما أشرتُ إليه قبل قليلٍ من : أنَّه يُراد به الدقّة ، ولا يُراد به مجرّد الكتابة ، ( كتابٌ مرقومٌ ) أي : دقيقٌ في كتابته ، كما قال تعالى : لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » ، وهذا مطلبٌ في نفسه لطيفٌ ، لا أقلّ دافعٌ للاحتمال المقابل ، أي : مسقطٌ للسؤال ، وهذا كافٍ . ثانياً : أنَّ الإنسان حينما يقرأ قوله تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ « 2 » فربما يفهم أنَّه لا وجود للكتاب ؛ لأنَّ الملائكة لديهم كتبٌ لتسجيل الأعمال ، وهذا تفكيرٌ غير سليمٍ ، وجوابه قوله تعالى : كِتَابٌ مَرْقُومٌ ولو كان كتاباً مجازيّاً ، فهو ليس بمرقومٍ ، بل كتابٌ حقيقي ، فهذا يريد أن يركّز معنى ( كتاب الفجّار لفي سجّين ) وهو مرقومٌ فعلًا ، لا أنَّه معنى مجازي أو معنى روحي ، بل كتابٌ موجودٌ ومرقومٌ فعلًا . والرقيم المذكور في سورة الكهف والمرقوم المذكور في سورة المطفّفين شيءٌ واحدٌ ؛ فإنَّ ( المرقوم ) فعيلٌ بمعنى المفعول ، كما تُستعمل بمعنى الفاعل ، و ( رقيم ) بمعنى المفعول أكيداً ، فيكون نصّاً ، أي : كأنَّما هو مرقومٌ ، وليس شيئاً آخر . ولقد تقدّم في الأبحاث السابقة الكلام عن الألواح ، ولا بأس بذكر شيءٍ في المقام ، فقد كان في السابق يأتون بألواحٍ من طينٍ طري ، ويجعلونه على
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 49 . ( 2 ) سورة المطفّفين ، الآية : 7 .