السيد محمد الصدر
64
منة المنان في الدفاع عن القرآن
بحسابهم ، فمنه بدء الخلق وإليه يعود . وقد ذكر الفلاسفة أنَّ الخلق كلّه في شوقٍ دائمٍ نحو الكمال المطلق ، وسيؤول في يومٍ من الأيّام إلى الكمال المطلق « 1 » . وجديرٌ ذكره : أنَّ هذه الآية وآيات أُخر كقوله تعالى : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى « 2 » ووَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى « 3 » تدلّ على الرجوع إلى الله تعالى ، مع أنَّا نعلم بأنَّ الرجوع إلى الله محالٌ ؛ لأنَّه يتوقّف على زمانٍ ومكانٍ ، والله سبحانه منزّهٌ عن الزمان والمكان ، فهو الغني عن كلّ زمانٍ ومكانٍ ، فيكون الرجوع بمنزلة القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع ، فكيف يمكن توجيه ما ورد في هذه الآيات ؟ ويمكن الجواب عنه من عدّة وجوه : الوجه الأوّل - ولعلّه الوجه الرئيسي في الجواب - : أن نقول بأنَّه يمكن أن نتصوّر ثلاثة مستويات في معنى الرجوع : المستوى الأوّل : الرجوع المكاني الذي يمثّل الحركة المكانيّة : إمّا ابتعاداً أو اقتراباً ، وهذا محالٌ على الله سبحانه . المستوى الثاني : أننا ذكرنا في غير موضعٍ أنَّا لو صعدنا إلى عالم المجرّدات وعالم الروح لوجدنا ما يوازي الزمان والمكان ، إلَّا أنَّ هذا الزمان والمكان صورةٌ مجرّدةٌ لا مادّيّة ولا يُلاحظ هناك أيضاً ما يحاذي الحركة ابتعاداً
--> ( 1 ) أُنظر : مفاتيح الغيب : 289 ، المفتاح الخامس ، المشهد الثالث ، الحكمة المتعالية 248 : 8 ، الباب الخامس ، الفصل 6 ، وغيرهما . ( 2 ) سورة العلق ، الآية : 8 . ( 3 ) سورة النجم ، الآية : 42 .