السيد محمد الصدر

19

منة المنان في الدفاع عن القرآن

إن قلت : كيف يمكن حمل مفاد الآية على الخير والعطاء والقول بشمول الآيات للمؤمنين مع أنَّ الآيات اللاحقة لها نصٌّ في الشرّ ، كقوله تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ، فالوصف هنا وصفُ شرٍّ لا وصف خيرٍ ، فكيف يصحّ هذا الحمل مع وجود قرينةٍ على الخلاف ؟ قلت : الخطوة الأُولى في الجواب أن يُقال : إنَّ قوله تعالى : لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ليس شرّاً مطلقاً ، وهو ليس كقوله تعالى : كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ « 1 » ؛ إذ الوصف في هذه الآية شرّ مطلقاً ، وأمّا ما نحن بصدده فليس كذلك ، ومقتضى كونه لا يسمن ولا يغني من جوعٍ يمكن تصوّره في ظرفٍ طبيعي مع عدم وجود الشدّة في الألم . الخطوة الثانية في الجواب أن يُقال : إنَّ قوله تعالى : لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ليس من قبيل السبّ أو الشتم ؛ لأنَّ كثيراً من الأطعمة التي نأكلها لا تسمن ولا تغني من جوعٍ ، أي : لا تسمن الإنسان ، فرغيف الخبز الواحد لا يسمن ولا يغني من جوع ؛ لأنَّ الطعام القليل بطبيعة الحال شأنه كذلك . ولنرجع الآن إلى تطبيق ما تقدّم على السياق ، فنقول : إنَّ المراد من قوله تعالى : لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ الطعام القليل ، سواء فهمناه من الناحية المادّيّة أم المعنويّة ، وهذا لا يختصّ بجماعةٍ معيّنةٍ أو طبقةٍ معيّنةٍ ، بل هو عامّ لجميع الناس . وإذا حملنا الطعام على الطعام المعنوي ، حصل لنا معنى جديدٌ ووجهٌ جديدُ ، وهو أنَّ الإنسان بارتكازه وطبعه يطلب الكمال ويشتاق إلى الكمال ،

--> ( 1 ) سورة الدخان ، الآيتان : 45 - 46 .