السيد محمد الصدر
73
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الرابعة : الفراق . الخامسة : التخلية . وعليه فالمعنيان راجعان إلى معنى الترك ، وهو الترك الاختياري المؤسف ، أو ما هو بمنزلة المؤسف ، وإلَّا فغير الاختياري ليس وداعاً ولا مؤسفاً إلّا بالتنزيل . فقد ظهر : أنَّ الأصل في ( ودع ) الترك لا الخفض ، وإنَّما يعود إليه بالأصل باعتبار اشتماله عليه - وكذلك المزيد - وإن كان له وضعٌ مستقلٌّ ، بمعنى : تسبّب إلى هدوئه ، وخفض العيش ملائمٌ مع الهدوء عادةً . وأمّا ودّع وداعاً - للمسافر أو لمطلق الخارج - فهو إمّا بمعنى : تركه وإمّا بمعنى : الدعاء له . قال الراغب : والتوديع أصله من الدعة ، وهو أن تدعو للمسافر أن يتحمّل الله عنه كآبة السفر وأن يبلّغه الدعة ، كما أنَّ التسليم دعاءٌ له بالسلامة ، فصار ذلك متعارفاً في تشييع المسافر وتركه . وعبّر عن الترك به في قوله تعالى : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ كقولك : ودّعت فلاناً نحو خلّيته « 1 » . أقول : كأنَّهم كانوا يدعون للمسافر قائلين : استودعك الله ويدعون له بالخفض والسعادة . ومنه أُخذ التوديع أي : الدعاء بالدعة . فالتوديع ليس مطلق الترك ، كما هو ظاهر ( الميزان ) « 2 » ، وإنَّما هو ترك المسافر ، وهو يعطي صورةً متحرّكةً . وليس في المقام لحاظ الدعاء ، وإنَّما هو مجرّد الفراق . ولو قال : التوديع الفراق ؛ لكان أرجح ؛ لأنَّه لازم مساوٍ له ، مع أنَّ الترك أعمّ منه . وليس الفراق كلّ ترك ، بل ما يكون اختياريّاً خاصّةً .
--> ( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 554 ، مادّة ( ودع ) . ( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 310 : 20 .