السيد محمد الصدر

59

منة المنان في الدفاع عن القرآن

إذن فالمراد بالعسر الثاني العسر الأوّل نفسه ، ومنه يتّضح أنَّ المراد باليسر الثاني اليسر الأوّل نفسه . وهذا وجهٌ آخر لإثبات الوحدة ، وهو غير الوجه الذي ذكروه . ولابدّ أن نشير أيضاً إلى أنَّه من غير المناسب أن تقول الآية : ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ اليسر ) وإنَّما أفادت الآية : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً أي : هنا يسرٌ مّا مع العسر ، بمعنى : أنَّ العسر ملحوظٌ كلّيّاً ، واليسر ملحوظٌ جزئيّاً ، واليسر ينطبق عليه الإطلاق الأفرادي ، فهو قابلٌ للانطباق على كثيرين ؛ لأنَّه مع العسر لا توجد جميع أفراد ومصاديق اليسر دفعةً واحدةً ، وإلَّا لما وجد عسرٌ أصلًا . وعليه فلا يصحّ أن يقول : ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ اليُسْر ) ، بل كما قال جلّ جلاله : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . * * * * قوله تعالى : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ : أفاد الراغب : أنَّ الفراغ ضدّ الشغل بضمّ الشين ، وربما سيأتي له معنىً آخر من خلال الشرح ، فلاحظ . وعلى أيّ حال فالفراغ ضدّ الشغل ، فرغ فراغاً وفروغاً فهو فارغٌ « 1 » ، ويبدو أنَّه ورد في اللغة ( فَرَغ ) و ( فَرِغَ ) ، ولعلّ كلًا منهما يُفيد انطباعاً يختلف عن الآخر ، والآية قالت : ( فَرغت ) بالفتح ، ولم تقل : ( فِرِغت ) فيمكن أن يكون الأوّل بمعنى : ( فرغ من الماء فصار فارغاً ) ، والآخر ( فرِغ من شغله ) . والظاهر أنَّ كلا الأمرين واردٌ في اللغة .

--> ( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 391 ، مادّة ( فرغ ) .