السيد محمد الصدر
60
منة المنان في الدفاع عن القرآن
قال تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ « 1 » ، وقال تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً « 2 » كأنَّما فرغ من لبّها ، أي : من عقلها ؛ لما تداخلها من الخوف . وقيل : أصبح فارغاً من ذكره ، أي : من ذكر موسى ، بمعنى أنسيناها ذكره حتّى سكنت واحتملت أن تلقيه في اليمّ ، أي : نست أنَّه داخل المحمل ، فرمته في البحر . وقيل : فارغاً أي : خالياً إلّا من ذكره ، أو إلّا من ذكر الله . ولنرجع عمّا نحن بصدده من بيان قوله تعالى : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . أقول : أفرغت الدلو أي : صببت ما فيه ، ومنه أُستعير : أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً « 3 » ؛ فكأنَّ الصبر في دلوٍ ، ويصبّ عليهم صبّاً . وضربة فريغة أي : واسعة ينصبّ منها الدم « 4 » . ولنحاول الآن أن نبيّن فهمنا الخاصّ في المقام : أمّا الفراغ فهو الخلوة ، أي : شيءٌ يخلو من شيءٍ ، فكأنَّ هنا ظرفاً ومظروفاً ، فإذا خُلّي الظرف من مظروفه قيل : فرغ . ولذا قال الراغب : الفراغ ضدّ الشغل ؛ فإنَّ الإنسان يشتغل بأُمور حياته ، فلا يكون فارغاً ؛ لأنَّ الجسم ظرفٌ ، والعمل مظروفٌ ، فالجسم مشغولٌ بمظروفه ، وهو العمل ، والعمل شغلٌ بمعنى اسم مصدرٍ ، إلّا أنَّه ليس كلّ شغلٍ عملًا ، بل كثير من أنحاء الشغل ليست عملًا ؛ إذ العمل حصّة من الشغل . ومن هنا قلنا : إنَّ الشغل بمعنى المصدر ، إلّا أن نفهم من الشغل
--> ( 1 ) سورة الرحمن ، الآية : 31 . ( 2 ) سورة القصص ، الآية : 10 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 250 . ( 4 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 391 ، مادّة ( فرغ ) .