السيد محمد الصدر
53
منة المنان في الدفاع عن القرآن
تطبيقه في محلّ الكلام أن يُقال : إنَّ العسر عبارةٌ عن عدم اليسر ، فيكفي في العسر أن لا يكون الإنسان ميسوراً ، ويكفي في اليسر أن لا يكون الإنسان معسراً ، فاليسر عدم العسر ، والعسر عدم اليسر ، فرجعا إلى عدمين ، والعدمان ليسا نقيضين ولا ضدّين ، والأعدام يمكن لها أن تجتمع . إلَّا أنَّ هذا البيان في الحقيقة غير وجيهٍ قطعاً ، مع أنَّه لطيفٌ في نفسه ؛ وذلك لأنَّنا حينما نقول : إنَّ اليسر عبارةٌ عن عدم العسر فمعناه أنَّ أحدهما عدم الآخر ، أي : اليسر عدم العسر ، أي : عدم العدم ، وعدم العدم وجودٌ ، فإذا كان أحدهما عدم الآخر ، كان الآخر عدم العدم ، فيكون موجوداً ، فرجع الإشكال من جديدٍ ، أعني : وقوع التنافي والتضادّ . الوجه الثالث : ما ذكره بعض المفسّرين من أنَّ الخطاب في الآية غير متوجّهٍ إلى النبي ( ص ) ، بل هو عامّ لجميع المؤمنين ، فيكون العسر على زيد مثلًا ، واليسر على عمرٍو ، فيرتفع الإشكال « 1 » . ويُلاحظ عليه : أنَّه غير سديدٍ أيضاً ؛ إذ من الواضح جدّاً أنَّ العسر واليسر محلّهما فردٌ واحدٌ ، ولا معنى لأن يكون يسر عمرٍو فرجاً عن عسر زيدٍ ، أو بالعكس ، وإنَّما يسر ل - مَن فيه العسر ، فهما متعلّقان بشخصٍ واحدٍ ، والعموم في الآية عمومٌ أفرادي ، يعني : أن نفهم أنَّ لكلّ شخص عسراً ويسراً خاصّاً به . ومن القرائن على ذلك أنَّ البشارة في قوله تعالى : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا لا تحصل لو كان العسر على شخصٍ واليسر على آخر ، فلكي تتحقّق البشارة لابدّ
--> ( 1 ) أُنظر : الكشف والبيان عن تفسير القرآن 234 : 10 ، تفسير سورة الشرح ، والجامع لأحكام القرآن 108 : 20 ، تفسير سورة ألم نشرح .