السيد محمد الصدر
48
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ويتشاتمون بالشعر ، حتّى ألّفوا كتاباً في ذلك . والنقيضان من الكلام ما لا يصحّ أحدهما مع الآخر ، فهما لا يجتمعان ولا يرتفعان . ومنه انتقضت القرحة ؛ فإنَّ القرحة قبل أن تنفجر لها ثقبٌ صغيرٌ تخرج منه مادّة صفراء ، فيُقال لها : انتقضت بعدما كانت صلبةً مغلقةً . ويقال : انتقضت الدجاجة أي : صوّتت عند وضع البيض ، ومن ذلك أن تنتقض في نفسها ، كأن يحصل عندها رجفة مثلًا . وقوله : الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ، أي : كسره حتّى صار له نقيض « 1 » . والظاهر : أنَّ النقض في أصل اللغة من الإبرام ، أي : أبرم وأنقض . قال سبحانه : كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً « 2 » . وكما أنَّ العرب في اللغة يتصوّرون أنَّ هناك قوّةً ناشئةً من البرم ، فلنا أن نتصوّر ونعمّم هذا المعنى ( حصول القوّة ) إلى كلّ قوةٍ بشكلٍ عامٍّ ، ومضادّ تلك القوّة عندما يحصل يكون نقضاً لها ، فحصص القوّة تختلف ، وبتبع ذلك تختلف وتتعدّد حصص النقض أيضاً . فالبناء له قوّة ، ونقضه يعني هدمه ، والحبل له قوّة ، ونقضه يعني فتحه ، والعقد له قوّة ، ونقضه انفراطه وتبعثره ، والكلام له قوّة في صحّة مدلوله مثلًا ، فعندما يُخبر ويُقال : ( جاء زيدٌ ) فهناك دلالة التزاميّة تفيد أنَّ المتكلّم صادقٌ والخبر مطابقٌ للواقع ، فلو كذّبه آخر فقد نقضه ، أو صار أحد الكلامين ناقضاً للآخر أي : هادماً له ومزيلًا لقوّته . ولابدّ أن نشير هنا إلى أنَّ النقيضين اللغويّين غير منحصرين بالنقيضين
--> ( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 525 ، مادّة ( نقض ) . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 92 .