السيد محمد الصدر
385
منة المنان في الدفاع عن القرآن
فجهنّم من المستوى المتدنّي ؛ لأنَّ سكّانها متدنّون بطبيعة الحال . خامساً : الجنّة العليا التي هي جنّات المقرّبين ، وواضح أنَّ المقرّبين وأصحاب اليمين لهم درجاتٌ عند ربّهم ، لكن كلّ واحدٍ في سنخه وعالمه الذي لا يشابه العالم الآخر . ويشهد لذلك قوله تعالى : فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ « 1 » فوصف العالية يُشعر بأنَّها عاليةٌ على جنان أصحاب اليمين أو أعلى من جنان أصحاب اليمين ، وإلَّا فما الفائدة بوصفها بالعالية ؟ وهي عاليةٌ على أيّ شيءٍ ؟ فإذا كانت الأشياء كلّها ذات نسبٍ محدّدةٍ - مع أنَّ العلوّ معنى إضافي يقابله الأسفل أو التحت - فما هو الشيء الذي يقع أسفلها أو تحتها ؟ ولا يمكن أن تكون الدنيا أو السماوات أو أيّ شيءٍ آخر تحتها ، وإنَّما توجد جنّةٌ أسفل منها ، ولا يتصوّر ذلك إلّا لهاتين الحصّتين : حصّةٍ عاليةٍ ، وهي جنّة المقرّبين ، وحصّةٍ دانيةٍ التي هي جنّة أصحاب اليمين ، فيتعيّن أن يكون المراد هو الجنّة العالية ، وهي جنّة المقرّبين . ومنه قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى « 2 » ؛ فإنَّ قوله : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى هو مطلق الهوى حتّى المباح ، فلا مبرّر لتقييده بالهوى المحرّم ، مع أنَّ المباح حرامٌ على المقرّبين والمؤمنين الحقيقيّين . وقرأ ابن مسعود الآية هكذا : ( يا أيّتها النفس المطمئنّة ادخلي في جسد عبدي وادخلي في جنتي ) « 3 » وهذا غريبٌ وشاذٌّ إلى حدٍّ مّا ، ولاقت هذه القراءة
--> ( 1 ) سورة الحاقّة ، الآية : 22 ، وسورة الغاشية ، الآية : 10 . ( 2 ) سورة النازعات ، الآيتان : 40 - 41 . ( 3 ) وهي القراءة المرويّة عن ابن عباس ، ومجاهد ، وأُبي . أُنظر : معجم القراءات القرآنيّة 148 : 8 ، سورة الفجر .