السيد محمد الصدر

375

منة المنان في الدفاع عن القرآن

متعلّقٍ ، فإذا كان يطمئنّ بفكرةٍ مّا ، فما هي تلك الفكرة ؟ في الحقيقة حينما يكون الإنسان صالحاً يصبح عقله مطمئنّاً بما هو حقٌّ ومطمئنٌّ ببطلان ما هو باطلٌ ، سواء أكان في أُصول الدين : كتوحيد الله وعدله والنبوّة والإمامة ، أم في فروع الدين ، أم أيّ شيءٍ آخر ، كما لو كان قد رأى البرزخ ؛ لأنَّ المفروض أنَّه مات فرأى البرزخ ورأى المحشر ونحو ذلك من الأُمور المحجوبة عن أهل الدنيا ، فيكون هذا إدراكاً عقليّاً جديداً يطمئنّ الإنسان له . فلو كان مثلًا في شكٍّ في الدنيا ( والعياذ بالله ) فعندما يذهب إلى الآخرة يقول : ( هذا ما وعد الرحمن ) و ( هذا ما كنت أشكّ فيه ) ، والمهمّ أنَّ الاطمئنان العقلي له مثل هذه الأُطروحات . وتوجد هناك أُطروحةٌ للاطمئنان أستطيع أن أُسمّيها أُطروحةً شاذّةً ، وهي ناشئةٌ من كلام الشيخ الراغب « 1 » ؛ لأنَّه يقول : اطمئنّ وتطامن يتقاربان لفظاً ومعنىً ، وهذا الكلام يعني : أنَّنا عندما نقول : ( يا أيّتها النفس المطمئنّة ) فكأنَّما قلنا : ( يا أيّتها النفس المتطامنة ) وهو معنى الترادف أو التقارب . والسؤال ماذا نفهم من ( تطامن ) ؟ ما أفهمه من التطامن : أنَّه التدنّي بعد الارتفاع ، فتطامن أي : تنازل وتدنّى ، وهو ملازمٌ أحياناً مع الهدوء والسكون بعد هياجٍ ؛ لأنَّ الهياج فيه ارتفاعٌ ، فإذا فهمنا التطامن بعد الهياج والحركة فهو الاطمئنان بالمعنى السابق ، وليس معنىً جديداً . أمّا إذا فهمنا التطامن على أنَّه التنازل بعد ارتفاعٍ والتدنّي بعد صعودٍ ، فيكون المعنى : أنَّ الإنسان المؤمن متطامنٌ من كلّ أسباب الدنيا ، متطامنٌ من ناحية الشهوة ، ومتطامنٌ من ناحية الطمع والشهرة ، ومتطامنٌ من ناحية أهدافه الدنيويّة ، فهو متطامنٌ من كلّ شيءٍ ، ولا يأمل في الدنيا خيراً ولا

--> ( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 307 ، مادّة ( طمن ) .