السيد محمد الصدر

376

منة المنان في الدفاع عن القرآن

شرّاً . وهو يعرف أنَّ أهل الدنيا قد تركوا مأدبةً قد دعاهم الله إليها ، فيها من النعم ما تلذّ الأنفس ، واشتغلوا بجيفةٍ قد أُفتضحوا بأكلها . إذن فهو متطامنٌ عن الدنيا ، ولربّما متطامنٌ عن الآخرة ؛ لأنَّ الدنيا والآخرة حرامٌ على أهل الله . وكما قيل : أنت ذهبت إلى بيت الله ، وأنا أذهب إلى الله ، أي : إلى صاحب البيت . فقوله : ( يا أيّتها النفس المتطامنة ) أي : التاركة للدنيا وحبّها وشهواتها ، ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّةً . ثُمَّ إنَّ قوله : ( راضيةً ) يحتاج إلى متعلّقٍ ؛ لأنَّها راضيةٌ عن أيّ شيءٍ ؟ وبأيّ شيءٍ ؟ فإنَّما يرضى الإنسان عن وضعه الاجتماعي مثلًا أو عن وضعه العلمي ، فمتعلّق الرضا هنا محذوفٌ ، وحذف المتعلّق هنا فيه مصلحةٌ منتجةٌ لعدّة أُمورٍ : الأوّل : إضفاء الهيبة والأهمّيّة عن رضاء هذا المؤمن على أنَّ رضاه شيءٌ مهمٌّ وجليلٌ ، وهذا ليس بزعم المؤمن ، وإنَّما الله يصفه بأنَّه مهمٌّ ، وما أحسن ذلك ! فإنَّ الإنسان إذا زعم لنفسه أنَّه مهمٌّ ، فقد يختلف الكثير في ذلك ، ولكن الله إذا وصف شخصاً مّا بأنَّه حسنٌ ، فذلك فضلٌ من الله تعالى . الثاني : زيادة المدح لهذه النفس في أنَّ رضاها ليس رضاً عاديّاً ، بل هو رضا أكثر من المتصوّر وأكثر من المعقول حتّى تكون مستحقّةً لما يؤتيها الله سبحانه وتعالى . الثالث : التعميم لكلّ شيءٍ تكرهه ، فكلّ شيءٍ تكرهه النفس فهي راضيةٌ عنه ، فالتعميم هنا لكلّ مّا هو مكروهٌ وصعبٌ وشديدٌ ، فهي راضيةٌ بالغنى والفقر على حدٍّ سواءٍ . وبعبارةٍ أُخرى : هي راضيةٌ بأفعال الله سبحانه وتعالى . والتقدير هنا يدور أمره بين أمرين : إمّا رضا بالمخلوق بكلّ شيءٍ ، وإمّا الرضا بالخالق ، ومعناه رضا النفس بالله سبحانه وتعالى . وما أجمل وأفضل أن تعني النفس بالخالق دون المخلوق ، كما في الأثر القائل : ( صانع وجهاً واحداً