السيد محمد الصدر

351

منة المنان في الدفاع عن القرآن

الظاهر هو الجنس لا العهد ، وعلى هذا الوجه يعمَّ البشرية كلّها ( أي : مطلق الإنسان ) . فإذا استثنى من ذلك الذين هم الأكثر عذاباً ، كان من الاستثناء القبيح ، وعليه يمكن أن نقول : إنَّ هذا على خلاف سياق القرآن أو على خلاف ظاهر القرآن ، وظاهر القرآن حجّةٌ ، وكلّما تعارض ظاهر القرآن مع السنّة حتّى لو كانت معتبرةً ، فظاهر القرآن هو المقدّم ، وما خالف القرآن يضرب عرض الجدار . فإن قلت : إنَّنا كأُطروحةٍ إذا حملنا الإنسان على الإنسان المطلق ، فهل يمكن أن يعذّب أشدّ العذاب بحيث يكون سهمه من العذاب أكثر من كلّ المعذّبين ، كما هو ظاهر الآية والمشهور ؟ إذن فالإنسان ظاهرٌ في المطلق ، وقوله : لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ نصٌّ في المطلوب ، فيكون هذا قرينةً على نفي الظاهر . فالمراد من الإنسان مطلق الإنسان الذي يستحقّ العذاب الشديد لا الإنسان المطلق . قلت : يمكن الجواب عن هذا بالبيان التالي : يُلاحظ عدم وجود قرينةٍ تنفي الظاهر من كون المقصود بالإنسان الإنسان المطلق ، وهذا ليس تبرّعاً ظاهريّاً ، بل قراءةٌ باطنيّةٌ للآية . فأمّا قوله : يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى فمعناه أنَّ الإنسان المطلق يكون من الكمال بحيث لا يحتاج إلى ذكرى . وأمّا قوله : يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فهو تعبيرٌ آخر عن سقوط الأسباب ؛ لأنَّ الإنسان المتكامل لا يرى سبباً إلّا مسبّب الأسباب جلّ جلاله ، فحينئذٍ يشعر أنَّه لم يقدّم لحياته شيئاً ، فهو أطاع وتاب واستغفر وتكامل ، لكنّه يشعر حقيقةً أنَّه لولا حسن العاقبة وحسن التوفيق ورحمة الله وتسديده ، لما تكامل وسار في طريق الخير والصلاح ؛ فأعمال الإنسان ليس لها وزنٌ لولا رحمة الله . فلا عمل من دون