السيد محمد الصدر

346

منة المنان في الدفاع عن القرآن

يتمنّى الحياة الحقيقيّة ما دام قد حصل عليها ونالها ؟ وهل هذا إلّا من تحصيل الحاصل . فعلى هذا يتبيّن أنَّ كلا الوجهين غير صحيحٍ ، والإنسان حينئذٍ يتمنّى الحياة الحقيقيّة ، وهي المراتب العليا في الجنّة لا الآخرة ، مضافاً إلى أنَّه ينكشف له آنذاك أنَّ الكمال مرهونٌ بالدنيا ، وذلك بالاستغفار والتوبة ، وكأنَّ لسان الحال يقول : يا ليتني في الدنيا قدّمت لحياتي الحقيقيّة التي ليست هي الدنيا ولا عرصة يوم القيامة . وهذا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ قوله تعالى : ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ « 1 » ، لكن الفرق أنَّ طلب الرجوع هنا يكون حين الاحتضار في أوّل لحظات الموت ، وأمّا في قوله : يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فهو في الآخرة حين لا يفكّر المرء بالرجوع إلى الدنيا ؛ لأنَّه منفصلٌ تماماً عنها ، بل يتملّكه الندم وتستوعبه الحسرة على ما فرّط في جنب الله وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ « 2 » . و ( ليت ) وإن قلنا : إنَّها ليست للتمنّي المستحيل دائماً ، كما برهنّا عليه في كتابنا ( أضواء على ثورة الحسين ( ع ) ) « 3 » ، ولكنّه أمرٌ غالبي بلا شكٍّ ، وهو المعنى الظاهري أو السياقي أيضاً . والمعنى الآخر هنا كذلك ، وهذه هي الندامة الحقيقية : يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ « 4 » ، يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا « 5 » ، وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا

--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، الآيتان : 99 - 100 . ( 2 ) سورة يونس ، الآية : 54 . ( 3 ) أُنظر : أضواء على ثورة الحسين * : 146 - 147 ، ( يا ليتنا كنّا معكم ) . ( 4 ) سورة الزمر ، الآية : 56 . ( 5 ) سورة الأنعام ، الآية : 31 .