السيد محمد الصدر
347
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الْعَذَابَ « 1 » ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبابُ « 2 » . وقوله : ( يا حسرتنا ) مبالغةٌ في زيادة الندامة والحسرة ، وهي خطابٌ للنفس لا للآخرين . ومن هنا قال : وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ « 3 » لكي لا يفتضحوا . ثُمَّ لماذا لم يقل : ( ليتني قدّمت لحياتي ) من دون إضافة ( يا ) ؟ فلماذا قدّم ( يا ) قائلًا : يَا لَيْتَنِي ؟ الظاهر : أنَّ هذه لهجةٌ للغةٍ أو لسانٌ مؤكّدٌ ، فيا ليتني تمنٍّ شديدٌ أكيدٌ مؤكّدٌ ، فأُضيفت الياء لتأكيد التمنّي ؛ لأنَّ هذا التمنّي ناتجٌ عن شدّة الحسرة والندامة ؛ لانقطاع كلّ شيءٍ في يوم القيامة . ولكن هذا يحتاج إلى تأويلٍ لغوي أو نحوي ؛ لأنَّ ( ياء ) حرف نداء ، والمنادى غير موجود ؛ لأنَّ ( ليتني ) لا تصلح أن تكون منادى ؛ ولذا يُقال : إنَّ فيها منادى مقدّراً ( يا زيد ، ليتني قدّمت لحياتي ) ، أو ( يا ربّي ، يا ليتني قدّمت لحياتي ) . ولكن هذا فيه إشكالان : الإشكال الأوّل : أنَّ ذلك يزيل معنى التأكيد ؛ لأنَّك لو قلت : ( يا ربّ ، ليتني قدّمت لحياتي ) فكأنَّك قلت : ( ليتني ) بدون ياء ، أي : إنَّ صفة التأكيد قد زالت . الإشكال الثاني : أنَّ هذا المنادى - بعد التنزّل عن الإشكال الأوّل - مفروضٌ ، لكنّه غير معيّنٍ ، فأيّ كلمةٍ يمكن أن تكون مكان المقدّر ؟ مع أنَّه لا تعيّن لها في الواقع ، وحتّى في علم الله لا واقعيّة لها أبداً ، فيمكن أن تحذف أيّ شيءٍ لنضع مكانه كلمةً أُخرى ، وإذ كان لا تعيّن لها في الواقع فكأنَّها غير
--> ( 1 ) سورة يونس ، الآية : 54 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 166 . ( 3 ) سورة يونس ، الآية : 54 .