السيد محمد الصدر

318

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قوله تعالى : وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً : قال الراغب : الوراثة والإرث انتقال قنيةٍ إليك من غيرك من غير عقدٍ ولا ما يجري مجرى العقد ، وسُمّي بذلك المنتَقل عن الميّت ، فيُقال للقُنية الموروثة ميراثٌ وإرثٌ . وتراثٌ أصله وراثٌ ، فقلبت الواو ألفاً وتاءً . قال : وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ « 1 » « 2 » . أقول : الإرث والميراث أقرب إلى معنى اسم المصدر أو المصدر ، وهو نفس انتقال المال لا المال المنتقل ، في حين أنَّ التراث هو نفس المال المنتقل ، فتعيّن استعماله في الآية ؛ لأنَّه أسند الأكل إليه ، مع أنَّ المصدر يتعذّر فيه ذلك حقيقةً . والمال : كلّ ما يتموّل عقلائيّاً ، والحبّ عاطفةٌ وجدانيّةٌ كالبغض ، ويُراد بها غضّ النظر عن السبب : حراماً كان أم حلالًا ، والمقصود المال الذي يأتي من غير الإرث . والجمّ الواسع الكثير ، إلّا أنَّ اشتقاقاته غير معروفةٍ في اللغة . وهو يبدو أنَّه صفة هيئةٍ باسم الفاعل ، وأصل الجامّ يعني : جمع شيئاً كثيراً ، وأهل الدنيا يرون عدم حبّ المال من الجنون . وهذه الصفات الأربع تشترك في أُمورٍ : الأوّل : أنَّها جميعاً ماليّةٌ أو اقتصاديّة ، اثنان منها للبخل ، واثنان للطمع ، وكلاهما مالي غالباً . الثاني : أنَّها كلّها أخلاقيّة وإن كان بعض حصصها محرّمةً . الثالث : أنَّها كلّها أُمورٌ ملتزمٌ بها فعلًا من قبل أهل الدنيا ، ولا مناص لهم منها . ولذلك قال في الدعاء : ) ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ

--> ( 1 ) سورة الفجر ، الآية : 19 . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 555 ، مادّة ( ورث ) .