السيد محمد الصدر
305
منة المنان في الدفاع عن القرآن
رِزْقَهُ يعني : كثر وضيّق وقلّل ، كما توجد مقابلةٌ بين ( أكرمن ) و ( أهانن ) . وهما مشتركان من حيث الابتلاء . فقوله : إِذَا مَا ابْتَلَاهُ متكرّرٌ بنفسه . وقد التفت إلى هذا المعنى صاحب ( الميزان ) قائلًا : كما قال : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 1 » لا كما يراه الإنسان « 2 » . ولا يخفى : أنَّه في ضوء الأُطروحة المشهورة التي تبنّاها السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) « 3 » في قوله تعالى : فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وقوله تعالى : فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ يُحمل المعنى على سوء المقصد أو الاعتراض على الله سبحانه وتعالى ، فقوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ محمولٌ عند أصحاب هذه الأُطروحة على السوء . أي : إنَّ الله إذا أنعم على الإنسان ، حسب أنَّ ذلك إكرامٌ إلهي ، فله أن يفعل بها ما يشاء ، فيطغى ويُكثر الفساد ، وإذا أمسك وقدر عليه رزقه ، ظنَّ أنَّ الله أهانه ، فيكفر ويجزع . أمّا الأُطروحة الثانية فعلى خلاف ذلك تماماً ، فلماذا نحمل تلك الألفاظ على شيءٍ من هذا القبيل ، مع أنَّه لا يوجد سياقيّاً ما يدلّ عليه ؟ ولماذا لا نحمله على جهة الإثبات والصحّة ، كما هو الأولى ؟ فيكون قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ بمعنى : الشكر لله على نعمته ، فيحمده ويشكره على ما أكرمه ونعّمه ، ويكون قوله : رَبِّي أَهَانَنِ بمعنى : إظهار الخشوع والذلّة والعبوديّة أمام الله ، والإقرار بالاستحقاق للإهانة بسبب ذنوبه وعيوبه وجرمه ونحو ذلك من الأُمور ؛ لأنَّه يعلم أنَّ البلاء إنَّما ينزل من أجل وجود ذنوبٍ سابقةٍ ، فقوله :
--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 35 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن 282 : 20 ، تفسير سورة الفجر . ( 3 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 282 : 20 - 283 ، تفسير سورة الفجر .